#adsense

رأي حر ـ نيتشه والمعتقدات (الدكتور جورج شبلي)

حجم الخط

 

بعدَ الذي شاهدناه في الطّرقات، وسمعناه من هَوبرات، عادَ الى ذِهني ما قالَه ” نيتشه ” عن المعتقدات، وكيفيّةِ اعتناقِها في الكثير من الأحيان، من قِبَلِ جمهورٍ غالبيّتُه تجهلُ القراءةَ والكتابة، وحتى السَّمع. قالَ ” نيتشه ” الطيِّبُ الذِّكر، ما معناه : إذا اعتنقَ الجُهَّلُ معتقداتِهم بدون براهين، فكيف يمكنُ إقناعُهم بزَيَفِها من خلالِ البراهين ؟؟؟
أمامَ الواقعِ المشهودِ الذي يتكرّر، وفيه تَجاوزٌ فاضحٌ للقوانين، وتَمادٍ مرفوضٌ في التحدّي، وإثارةِ النّعرات، ما يمنعُ الشّعبَ عن تَنَفُّسِ الصُّعداء، والخلودِ الى الاطمئنان، بعدَ انتخاب رئيسٍ للبلاد، وتشكيلِ حكومةٍ جديدة، وكأنّ لسعاتِ الاستفزاز باتَ سمُّها يتغلغلُ في أكثرِ شرائحِ النّسيجِ الوطني، قَلَقًا، واضطرابًا، وامتعاضًا، ويُخشى أن يَرفضَ الاحتمالُ تَطويلَ بالِهِ.
إنّ ما يدعو الى الاستغراب، وجودُ جماعةٍ اعتقدَت أنّها ربحَت كلَّ شيء، وهي توظِّفُ اعتقادَها ليسَ فقط في الافتتاحيّات الإخباريّة، وفي وسائلِ الإعلامِ التَّابِعة، إنّما في التّعاطي مع الدولة، والنّاس، وكأنّ طاقَمَ القيادةِ لهذه الجماعة، والذي خسرَ مقرَّه ومَنْ فيه، لم يجدْ بُدًّا من المكابرة، والشَّحن، والتَّثوير، ودَفعِ الأنصار الى الشّارع، لشَدِّ العَصَب، وإيهامِ الخُصومِ بأنّ القوّةَ لمّا تزلْ في يدِه، والقرارَ في جيبِه، وبالتالي، فعلى الخُصوم أن يخافوا !!!
ويبقى السؤال : متى ستتوقّفُ هذه العنتريّاتُ الدّونكيشوتيّة، ويُقلِعُ مَنْ يُسَمّون أنفسَهم مُمانعة، عن إزعاجِ النّاسِ بتعصُّبِهم، واستقوائِهم، وتحدِّياتِهم، ليُعيدوا النَّظَرَ في ما آلَ إليه حالُهم بعدَ المغامرةِ العبثيّةِ التي دمَّرَت البلاد، وأجهضَت أملَ العِباد ؟؟؟
إنّ التّرسانةَ التي كانت تُحكِمُ الطَّوقَ على العاصمة، بل على البلدِ بأكملِهِ، لم يَبقَ منها حتى المَتروكات، ليتلطّى ” الشَّبابُ ” خلفَها، من هنا، لم يعُدِ التَّخويفُ فاعِلًا، والتَّرهيبُ مُنتِجًا، وباتت الشِّعاراتُ تلفيقاتٍ خبيثة. كلُّ ذلك دخلَ في حيثيّةِ التَّزييف، فليس يَقينًا العودةُ الى استلامِ زمامِ الأمورِ في البلاد، وممارسةُ الاستئثارِ والاستبداد، وفَرضُ أيديولوجيا مستَوردةٍ تُمسكُ الوطنَ بقبضةٍ حديديّة، ما يجعلُ الواقعَ أشدَّ قُبحًا. لا، لا عودةَ، أبدًا، الى جعلِ البلدِ وَقْفَ الشيطان، والى عصرِ المحرَّمات، والتحكّمِ الأشرس بالمصائر، واستباحةِ حقوقِ الناس وحريّاتِهم… لا عودةَ لبَطانةِ السّوء.
إنّ المطلوب، اليوم، موقفٌ حازمٌ جَسورٌ من جانبِ السّلطات الشرعيّة، في وجهِ السّاعين الى ضعضعةِ البناءِ الوطني، أيًّا كانوا، استنادًا الى القوانين، بهيبةٍ وجرأةٍ هما كيانُ الدولة. أمّا رَفعُ شِعار التّلاقي بالحِوار، فهو يافطةٌ فارغة، لم يُكتَبْ لها النّجاحُ، يومًا، وفشلَت في إنضاجِ تَقاربٍ بين المُسَنَّنات، وشكَّلَت عاملًا إضافيًّا للتّناقضِ والتّباعدِ والمواجهة، استنادًا الى خَلَلٍ حقيقيّ يكمنُ في مفهومِ الشّعورِ الوطني، انتماءً وولاءً.
إنّ غسلَ الأمخاخِ بوباءٍ إيديولوجيٍّ عقيم، والعَيِّناتُ الببَّغائيّةُ متوفِّرة، يتمُّ بتَلقينٍ في خيمةِ تهريج، بواسطةِ مُراوِغين يروِّجون لشعاراتٍ وهميّةٍ معصومةٍ عن الحقيقة، مُسَيَّرين من أولياءَ خارِجيّين هم طُفّارُ الفظائعِ، المَفتونون بشهوةِ الدمّ، وثقافة السّكاكين.
إنّ ما يقومُ به المُؤَدلَجون، زورًا، يُصَنَّفُ، وطنيًّا، من الذّنوبِ الكبيرة، ولا تَسامُحَ مع هؤلاءِ، مهما كان الثَّمن…​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل