عندما حشد الحزب وحلفاؤه جماهيرهم يوم 8 آذار 2005 لفرملة الاندفاعة السياسية والشعبية بُعيد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وبث القلق في النفوس وتصوير الأمر على ان غالبية الشعب اللبناني تؤيد الاحتلال الاسدي للبنان، كادت دول القرار ان تُبدّل رأيها وتُبطىء من زخمها الداعم للسيادة والحرية والاستقلال، ممّا كان سيؤدي الى فكّ الخناق عن عنق النظام الأسدي ويُطيل من امد احتلاله للبنان، قبل ان تأتي ثورة الأرز في 14 آذار بعد ايامٍ قليلة من 8 آذار، وكردّة فعلٍ على استعراضات القوة والترهيب النفسي التي جرت فيها، لتقلب كل المقاييس مكرسّةً انتصار الحق على الباطل والحرية على الاحتلال والنور على الظلمة، مُعيدةً الأمل للدول الصديقة للبنان بشجاعة الشعب اللبناني وعدم استسلامه للأمر الواقع المفروض عليه.
كم كناّ نتمنّى لو ان الحزب اليوم اراد من احتفالية تشييع السيد نصرالله في 23 شباط الحالي تكريم الرجل باعتباره رمزاً كبيراً من رموزه الدينية والسياسية، فهذا حقٌ مشروع له، غير ان ما تستبطنه تلك التعبئة غير المسبوقة هو تكرار لمشهد 8 آذار 2005 بنسخةٍ جديدة ومنقحّة لتحويل تلك المناسبة الى استفتاءٍ شعبي، إنما هذه المرّة بعضلاتٍ جماهيرية ايرانية وعراقية ويمنية وغيرها ايضاً، لاستخدام هذا الحدث في اليوم التالي من اجل الضغط والابتزاز داخلياً وعربياً ودولياً من اجل إبقاء قديم السلاح على قِدمه، والتهويل بسلاح الأكثرية الشعبية اللبنانية حتى تفقد دول العالم الحر وكل الدول الصديقة للبنان اي املٍ بنهوض لبنان واللبنانيين، وتزيل اي رجاء في نفسها بتحررهم من كابوس الفوضى والسلاح والميليشيات الذي بات يرمي بثقله على الإقليم برمتّه، تماماً كما فقد هذا الأمل باكراً رجل الأعمال الاماراتي الكبير خلف الحبتور، ممّا يُعيد لبنان بحكم الأمر الواقع الى محور الفوضى والظلام والانهيار والدمار والخراب الذي لم يُصدق اللبنانيون انهم خرجوا منه مع انطلاقة صافرة العهد الجديد.
لا شك ان المراهنين على تيئيس اللبنانيين من خلال تحشيدٍ شعبي من هنا، او استعراضات موتوسيكلات تخترق المناطق السكنية الآمنة قد تسبق او ترافق او تلي مشهدية 23 شباط من هناك، لإعادة عقارب ساعة الدولة القوية الى الوراء، هو نفسه من راهن على 8 آذار 2005 قبلاً لغايةٍ شبيهة في نفس يعقوب، والنتيجة هذه المرة ايضاً ستكون شبيهة بما حصل في 14 آذار، فنَفَس محور الظلامية اماّرة دائماً بالسوء، ولكن نَفَس اللبنانيين السياديين الأحرار التوّاقين لنهوض بلدهم تنحو باتجاه النور والحرية والازدهار، وهي اطول بكثير ممّا يظّنه الظلاميون. وبالنهاية حتى لو جاءت كل الجماهير الممانعة الى بيروت في 23 شباط لترهيب بعض الناس بسلاح الأكثريات العددية، غير ان الحق لا يُعبّر عن نفسه بلغة الاكثريات او الاقليات بل بلغة القانون والدستور والانتظام العام والمفاهيم الدستورية والانسانية المتعارف عليها، لذلك فالباطل خاسر لو دعمه المليارات، والحق سينتصر لو وقف في صفّه مجرد رجلٍ واحد، فكيف اذا كان مدعوماً من اكثريةٍ لبنانية، ومعها غالبية العربية دولية.
