
جاء وفد ايراني الى لبنان للمشاركة بتشييع نصرالله. وبما أن إيران دولة “تراعي” الأصول الدبلوماسية بمظهرها الخارجي فقط، قرر الوفد اللبق القيام بالواجب، عيب، فتوجه بزيارة الرئيس جوزيف عون، على أساس أن الزيارة ستكون شكلية كما هي العادة مع من سبقه من رؤساء، لناحية الكلام الدبلوماسي المعسول الفارغ من أي مضمون سياسي فعلي، يتجاوز حدود سطوة إيران على الدولة اللبنانية، إذ إن “الشقيقة” الفارسية اعتادت على مر أكثر من ثلاثين عامًا، وعبر وليها الفقيه في لبنان نصرالله وميليشياه “الحزب”، أن تكون إيران سيدة المواقف والأحداث والحروب والاغتيالات، وما شابه من مشهديات مدوية في إرهابها، ووقاحتها المعلنة لناحية استباحتها للسيادة اللبنانية، من دون الأخذ في الاعتبار مواقف اللبنانيين السياديين المعارضين لسطوتها على لبنان، ولا منحهم أي التفاتة او قيمة معنوية!
في هذا الاطار إذًا جاءت زيارة الوفد الإيراني للرئيس جوزيف عون في قصر بعبدا، قبل التوجه للمشاركة في التشييع. دخل الوفد مبتسمًا على بعض من توتر، إذ أن أعضاءه لا يعرفون الرئيس فعليًا، الا من خلال خطاب قسم أسقط من بين سطوره “أسطورة” المقاومة، ومع ذلك كان في ظن الوفد أنه سيسمع ما يريد أن يسمعه ولم يتوقع ما سمعه على الاطلاق!
وقف رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف وسط الوفد مبتسمًا، وبدأ يتلو كلامه إياه، وإذ بالرئيس يجيب بما يمكن وصفه بالطلب المباشر من الإيرانيين بأن يكفوا أياديهم عن لبنان، بمعنى آخر قال عون: “لبنان تعب من حروب الآخرين، ودفع ثمنًا كبيرًا من أجل القضية الفلسطينية ويدعم ما صدر عن قمة الرياض الأخيرة بالنسبة الى حل الدولتين”.!!!
كلام كبير بالنسبة لمن اعتاد الرؤوس المنحنية أمامه. كالصاعقة المكتومة وقع كلام الرئيس في أذن الوفد الفارسي، إذ لم يتوقع سماع كلام لبناني سيادي من هذا الطراز العالي بالكرامة والعزة الوطنية، بل اعتاد معزوفة “سفارش شما آقا”، أي “أمرك سيدي” ومن دون أي نقاش، و”الحزب” هنا يُنفذ بالبلد وفينا كل تلك الأوامر المدمرة لسيادة وكيان وأمان لبنان، ولا من يعترض أو يتجرأ على النقاش في من يمثل الدولة اللبنانية.
استدرك رئيس الوفد المفاجأة غير السارة وحاول امتصاصها! ابتلع ريقه ولم يعترض، بل ابتسم بسمته الصفراوية تلك وأثنى على كلام الرئيس! والمفاجأة الأكبر بالنسبة للوفد، حين توجه الرئيس وبكلام حازم مباشر اليه بأن “اللبنانيون وحدهم يقررون مصيرهم وعلى الدول احترام سيادة البلد وعدم التدخل في سياستنا، وزمن لبنان الساحة انتهى وأصبح هناك رئيس جمهورية ودولة مسؤولة عن حدودها ومرافئها ومطارها وهي من تحدد الإجراءات”. كلام خطير وخطير جدًا، ولعل الوفد ما صدّق أنه يقف بحضرة رئيس جمهورية لبنان الذي كان يعرفه. فهذا لبنان مختلف تمامًا، لبنان متمرد، حقيقي، لبنان انتفض على حاله وعاد الى أصوله ولا أصول لنا الا شموخ الأرز.
أيضًا ابتلع الوفد الصدمة، التي تضاعفت أكثر وأكثر حين استشهد الرئيس بالمادة التاسعة من الدستور الإيراني نفسه، والتي تنص على عدم التدخل بشؤون إيران الداخلية، وطالب بتطبيق هذه المادة على العلاقة مع لبنان، فما كان من رئيس الوفد سوى أن أجاب: “أوافقكم الرأي بعدم تدخل الدول في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وأفضل مواجهة لأي خسارة أو عدوان هي وحدة اللبنانيين”، خاف الضيف على وحدتنا وهو من مارس هواية تشليعنا، والمضحك أنه شدد على أن بلاده “تدعم أي قرار يتخذه لبنان بعيدًا عن أي تدخل خارجي في شؤونه وتلتزم بما تقتضيه العلاقات الإيرانية اللبنانية”… كتِر خيركن شو آوادم!
أخيرًا، وبعد طول انتظار، كلام عالي الجودة بالكرامة من رئيس البلاد. وأخيرًا رئيس يقول كلمة وطن، كلمة وطن وليس ولاية أو مقاطعة أو مستعمرة مارقة في سجل الدول المحتلة الذليلة. اشتقنا للكرامة يا جمهورية، اشتقنا للمواقف الصلبة المغمسة بالعنفوان، وللجمهورية القوية، ولشعب تلك الجمهورية العريقة المناضلة. لم نكن نتوقع كلامًا مباشرًا من رئيس البلاد بوجه الوفد الإيراني، اذ طوال الفترة السابقة كان الرئيس صامتًا، لم يبدِ أي رد فعل مباشر على انتهاكات إيران للسيادة اللبنانية، وخصوصًا في فترة أزمة الطيران الإيراني الذي مُنع من الهبوط في مطار بيروت، وافتعلت ميليشيا إيران في لبنان ما افتعلته من فوضى ومواجهة مع الجيش، وحرضت عبر إعلامها، الشارع وبكل ما يسيء لسيادة الدولة اللبنانية وللرئيس نفسه، وأيضًا لرئيس الحكومة.
سكت عون لكنه وجّه أوامره لمواجهة أي شغب في الشارع، وأصر على منع الطيران الإيراني من الهبوط في مطار رفيق الحريري الدولي، ليس عنادًا أو تحديًا، لكن بناء على معلومات مؤكدة بأن على متن الطائرات الإيرانية أموال وأسلحة لـ”الحزب”. التزم الرجل الصمت المدوي لكنه كان يقوم بواجبه كاملًا للحفاظ على أمن لبنان وسيادته. لم يرد سابقًا على تدخلات إيران السافرة بلبنان، وفي الاتجاهات كافة، انما انتظر وصول الوفد الإيراني ليكون اللقاء بالمباشر والرسائل بالمباشر. هكذا وجهًا لوجه من دون مواربة ولا تملق ولا زيف ولا تدوير زوايا قاتلة على حساب كرامة لبنان، ليفهموا الرسالة كما هي، أو كما نقول بالعامية “شرَبن إياها بالملعقة”!
خرج الوفد من لقاء الرئيس وبقيت أذناه عالقة على عتبة قصر بعبدا، الآن عاد القصر قصرًا، القصور ليست كرسيًا مخمليًا محطم الكرامة، ولا ممتلكات فاخرة ولا ديكورًا فخمًا، القصور حيث تحط الكرامة مثل نسور الغابات معلنة العنفوان فوق غصون الأرز. هذا ما فعله الرئيس، قد نكون نبالغ في التوصيف؟ لا، لكن نحن شعب صار مسكينًا لكثرة ما افتقدنا للعزة الوطنية، اشتقنا لبلادنا الحرة السيادية، اشتقنا لرئيس يحكي بلساننا وينطق بقلوبنا الحرة النظيفة السخية بعنفوانها وبحبها للأرض، ومن يعلن علينا السيادة والكرامة نعلن له الوفاء والولاء المطلق.
دخل الوفد الفارسي بزيارة وخرج متمنيًا لو لم يزر القصر، إذ ما كان يعلم أن صار للبنان رئيس جمهورية، رئيس.
