
في اللحظات المفصلية من تاريخ الدول، تتحدد معالم المستقبل بناءً على خيارات حاسمة لا مجال فيها لأنصاف الحلول. ولبنان اليوم أمام مفترق طرق: إما أن يستعيد السيادة الكاملة ـ سيادة القرار والاقتصاد والقانون ـ أو أن يبقى دولة معلقة بين الانهيار والتبعية، عاجزة عن فرض سلطتها على أرضها، ومستنزفةً في صراعات داخلية وخارجية تحوّله إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية ودولية.
لقد أظهرت التجربة اللبنانية أن أي حديث عن الإصلاح من دون سيادة هو محض وهم. فكيف يمكن إنقاذ اقتصاد في ظل ازدواجية السلطة؟ كيف يمكن استعادة ثقة المودعين والمستثمرين إذا كانت الحدود مشرّعة للتهريب، والمؤسسات الرسمية مخترقة، والقضاء مسيّس؟ إن البيان الوزاري لحكومة الرئيس نواف سلام يعكس محاولة جادّة لوضع السيادة في صلب مشروع الإصلاح، لكنه يفتح باب التساؤلات حول مدى قدرة السلطة التنفيذية على تحويل هذه الالتزامات إلى أفعال ملموسة، بعيدًا من منطق التسويات التي أوصلت البلاد إلى الهاوية.
السيادة الاقتصادية: من التبعية إلى الاستقلال الوطني
السيادة ليست مجرد احتكار للدفاع والسلاح، بل هي أيضًا القدرة على التحكم في الموارد الاقتصادية واتخاذ القرار المالي بحرية بعيدًا من الابتزاز الخارجي أو الفساد الداخلي. فلبنان الذي تحوّل من “سويسرا الشرق” إلى دولةٍ مدمنة على المساعدات، يحتاج إلى إعادة تعريف سيادته عبر بناء اقتصادٍ منتج يحرّره من وصاية المؤسسات المالية الدولية والهيمنة النقدية.
أول معركة على طريق استعادة السيادة الاقتصادية تبدأ بمواجهة “التبعية المُؤسسية”، حيث تحولت الدولة منذ اتفاق الطائف إلى كيان مستهلك للمساعدات بدلًا من أن تكون منتجة للثروة. فالقروض الدولية لم تُبنَ بها مشاريع استراتيجية، بل أُهدرت على سياسات ريعية كرّست الفساد والمحاصصة، فيما تحوّلت النخب السياسية إلى وسطاء لتسويق شروط المانحين بدلًا من فرض أجندة وطنية مستقلة. اليوم، يُطالب صندوق النقد الدولي بإصلاحات ضرورية، لكن تنفيذها من دون رؤية اقتصادية وطنية سيحوّل الأزمة إلى مأساة اجتماعية أكبر. وهنا يكمن التحدي: هل تستعيد الحكومة السيطرة على سياساتها المالية أم تكرّس التبعية تحت شعارات الإنقاذ؟
“مافيا الاستيراد” هي معركة أخرى في صلب استعادة القرار الاقتصادي. فكيف يمكن لدولة تستورد 80% من غذائها و100% من وقودها أن تدّعي امتلاك قرارها السيادي؟ إن إعادة بناء الزراعة والصناعة الوطنية ليست ترفًا، بل ضرورة أمنية وسياسية. كيف يمكن الحديث عن سيادة في وقت نستجدي الدولار من المصارف لشراء القمح والمحروقات؟ الأجدر بالحكومة تحويل أزمة الدولار إلى فرصة لإنعاش الإنتاج المحلي عبر سياسات حمائية ذكية، ودعم المشاريع الصغيرة، وإعادة هيكلة الدعم ليستهدف القطاعات الإنتاجية بدلًا من استنزاف الاحتياطي في تمويل الاستيراد العشوائي.
أما “الجبهة النقدية”، فهي الامتحان الأخطر. انهيار الليرة ليس مجرد أزمة مالية، بل انتهاك صارخ للسيادة الوطنية عبر تدمير إحدى أهم أدوات القوة الاقتصادية للدولة. إن إصدار عملة مستقرة لا يمكن أن يكون عبر رفع الفوائد فقط، بل يحتاج إلى اقتصاد منتج يدعمها، وإلى إصلاح النظام المصرفي الذي حوّل المودعين إلى رهائن، وإلى كسر العلاقة غير الصحية بين المصارف والسياسة. فهل تملك الحكومة الجرأة لإصلاح هذا النظام، أم ستكتفي بإدارة الأزمة عبر تحويلات المغتربين؟
السيادة السياسية والأمنية: لا دولة مع ازدواجية القرار
السيادة الاقتصادية لا تكتمل إلا بالسيادة السياسية والأمنية. فلا يمكن للبنان أن ينهض اقتصاديًا إذا بقي القرار السيادي ممزقًا بين الدولة واللادولة، وإذا استمرت بعض القوى في فرض أجنداتها بمعزل عن الإرادة الوطنية. القبول الضمني بازدواجية السلطة حوّل لبنان إلى نموذج هجين بين الدولة الفاشلة والدويلة المستقلة داخلها، حيث تُدار المعابر والمرافق الحيوية خارج سلطة الدولة، وتُفرض قرارات مصيرية بمعزل عن المؤسسات الشرعية.
لا يمكن تحقيق أي إصلاح في ظل اقتصاد غير رسمي موازٍ تهيمن عليه قوى خارج إطار الدولة، حيث تتحكم بعض المجموعات بقطاعات رئيسية، من التهريب عبر الحدود إلى الأنشطة غير المشروعة التي تستنزف الاقتصاد الرسمي وتمنع أي فرصة لاستعادة الثقة الدولية.
إن احتكار الدولة للسلاح وفرض سيطرتها الكاملة على حدودها ليس مجرد مطلب أمني، بل هو شرط لا غنى عنه لاستعادة لبنان إلى موقعه الطبيعي كدولة ذات سيادة يحكمها القانون وليس موازين القوى. وطالما أن قرار الحرب والسلم لا يزال خارج سلطة الدولة، فإن أي نقاش عن الإصلاح يبقى مجرد ورقة تفاوض بيد القوى غير الشرعية.
القضاء المستقل: الأساس للسيادة والإصلاح
لا يمكن للبنان أن يستعيد قراره من دون قضاء مستقل قادر على فرض سلطة القانون على الجميع من دون استثناء. فالقضاء في لبنان لا يعاني فقط من التدخلات السياسية، بل أيضًا من انقسامات داخلية تجعله أداة بيد بعض القوى. كيف يمكن الحديث عن مكافحة الفساد، بينما لا تزال ملفات النهب المالي الكبرى مغلقة، ولم يُحاسب أي مسؤول عن الانهيار الاقتصادي؟
إصلاح القضاء يبدأ بتشريع قانون استقلالية القضاء فورًا، ورفع الحصانات عن القضاة المتورطين في الفساد، وإنشاء هيئة متخصصة في الجرائم المالية تلاحق الأموال المنهوبة داخل لبنان وخارجه، من دون تدخل سياسي أو مساومات. فمن دون عدالة، ستبقى كل محاولات الإصلاح مجرد إجراءات شكلية لا تعيد الثقة بالنظام.
الجيش والقوى الأمنية: العمود الفقري لاستعادة الدولة
من دون مؤسسة عسكرية قوية، لا يمكن فرض هيبة الدولة. الجيش اللبناني يجب أن يكون الجهة الوحيدة المخولة امتلاك السلاح واتخاذ قرارات الحرب والسلم وفق الدستور والقرارات الدولية، وليس وفق توازنات القوى الداخلية. ويجب أن تكون هناك خطة دعم مستدامة لتعزيز قدراته بعيدًا من الضغوط السياسية التي تحاول عزله عن دوره الطبيعي كحامي السيادة.
السيادة الثقافية والإعلامية: معركة الهوية والاستقلال
لبنان الذي كان يومًا رائدًا في صناعة الفكر الحر والثقافة المستقلة، أصبح اليوم رهينة لأجندات خارجية تُفرض عبر الإعلام والمناهج التربوية. إن دعم الإعلام الوطني المستقل، وإعادة بناء الخطاب الثقافي الوطني، وتعزيز الهوية اللبنانية بعيدًا من الطائفية، هو جزء أساسي من معركة استعادة السيادة. فالأمم تُبنى على هويات قوية، لا على مشاريع مفروضة من الخارج.
الفرصة الأخيرة لاستعادة الدولة
لبنان أمام فرصة تاريخية لإعادة بناء دولته على أسس سليمة. إن تأخير تنفيذ الإصلاحات السيادية سيؤدي إلى تثبيت واقع الدولة الفاشلة، حيث تبقى كل محاولات الإنقاذ مجرد مسكنات مؤقتة. على الحكومة أن تدرك أن الحكم ليس مجرد إدارة أزمة، بل هو فرصة لإعادة بناء وطن يستحقه أبناؤه.
السيادة لا تُمنح، بل تُنتزع بإرادة سياسية قوية تصنع من الأزمة فرصةً، وتحوّل لبنان من ساحة مستباحة إلى دولة مستقلة، حرة، وقادرة على تقرير مصيرها بيد أبنائها. فهل نحن أمام حكومة قادرة على كسر الحلقة المفرغة، أم أن البيان الوزاري سيكون مجرد وثيقة إضافية في سجل طويل من العجز؟ الأيام المقبلة كفيلة بالإجابة.
