في الفترة الأخيرة، أصبح من الواضح أن وفيق صفا، الذي كان من المفترض أن يكون مسؤولًا عن التنسيق والارتباط بين مختلف الأطراف، بات في وضع يعكس حالة من الفوضى الداخلية. فبالرغم من أنه يُعتبر جزءاً من القيادة الأمنية في “الحزب”، غير أن سلوك وفيق صفا وتصرفاته تشير إلى أنه فقد التنسيق والارتباط مع “الحزب”، بل أصبح يتحرك وكأنه منشق عن القيادة الرسمية، والعديد من المتابعين يرون في تصرفاته مؤشراً على تغيّر كبير في دوره داخل التنظيم، والذي يطرح الكثير من التساؤلات حول مستقبله السياسي في الحزب.
يُلاحظ أن صفا بدأ يتصرف بطريقة لا تتماشى مع التوجهات السياسية الصادرة عن الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم، أو رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد، بل أضحى سلوكه يختلف بشكل ملحوظ عن الأطر المعتمدة في “الحزب”، إذ أنه غالباً ما يتحدّى أو يقوّض الرسائل السياسية التي يتمّ توجيهها، ما يثير الشكوك حول نواياه الحقيقية التي باتت أشبه بالإنقلاب.
من المثير للاهتمام أن وفيق صفا بدأ يظهر وكأنه يحاول تشكيل جناح خاص به داخل “الحزب”، ساعياً إلى تأمين ولاء بعض الفئات له، خصوصاً من بين الشباب المنتشرين في الضاحية الجنوبية. يُقال إن صفا يولي اهتماماً خاصاً للمجموعات الشبابية، التي يشتهر أعضاؤها بالتسكع على الطرقات وركوب “الموتوسيكلات”، إذ يعتقد أن هذه المجموعات يمكنها أن تحقق له ما يصبو إليه، ما يعزّز طموحه في إنشاء أرضية قوية داخل “الحزب” تتيح له فرض آراء بعيدة عن الممارسات السياسية التقليدية.
واحدة من أبرز اللحظات التي أظهرت التوتر داخل “الحزب”، كانت حينما اقترح وفيق صفا إغلاق طريق المطار وأدّى ذلك إلى الاعتداء على موكب “اليونيفيل” والأملاك العامة. هذه الخطوة أثارت غضب قيادة “الحزب”، حيث جاء الرد الرسمي عبر بيان من “الحزب” مستنكراً ما حدث، وتمَّ الطلب من الجيش اللبناني التدخل بشكل صارم. غير أن صفا تدخل على الفور عبر شبكة من الصحافيين الموالين له، وتمكّن من سحب البيان الرسمي من التداول، مما يعكس قوّته على الأرض ونجاحه في التأثير على مجريات الأمور في “الحزب”.
في الوقت الذي كانت فيه قيادة “الحزب” تواكب التصريحات السياسية وتدعم الحكومة اللبنانية، بدأ صفا ومجموعته التحرك عبر منصات التواصل الاجتماعي بمهاجمة شخصيات سياسية رفيعة المستوى، مثل رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام. ففي الوقت الذي كان فيه محمد رعد يعطي الثقة للحكومة، كان صفا ينشط على موقع “إكس”، من خلال شبكة إعلاميين باتت معروفة، لشتم الحكومة ومهاجمتها، على الرغم من أن “الحزب” يشارك في الحكومة عبر وزيرين.
أمام هذا التصعيد، بات صفا يشعر أن مجموعاته التخريبية باتت تحت مراقبة الأجهزة الأمنية، خصوصاً بعدما رفع “الحزب” الغطاء عن بعض الأفراد المرتبطين بها. وقد تكون الملاحقات الحاصلة قد وضعت صفا في زاوية ضيقة، إذ أمامه الآن خياران: إما العودة إلى طاعة الأوامر السياسية للحزب والانسجام مع سياساته، أو اللجوء إلى خيار الترشح للانتخابات النيابية المقبلة، وهي فكرة بدأت تُطرح داخل “الحزب” في محاولة للحدِّ من تأثيره وجعل وجوده في إطار رسمي تحت إشراف الكتلة النيابية.
بات واضحاً أن وفيق صفا يعيش في حالة من الانفصال السياسي عن قيادة “الحزب”، وهو يسعى إلى بناء نفوذ خاص به داخل التنظيم، حتى لو تطلّب الأمر تحدّي سياسات “الحزب” وتوجهاته، وقد تكون الفترة المقبلة حاسمة في تحديد مستقبله، إما ضمن “الحزب” أو بعيداً عنه، بناءً على خياراته الشخصية وأزماته الداخلية مع القيادة الرسمية للحزب.

.jpg)