صحيفة النهار – عبدالوهاب بدرخان
لا استخفاف ولا تقليل من أهمية الحشد في تشييع الأمينين العامّين السابقين لـ”حزب إيران”، نصرالله وهاشم صفي الدين. فقد كان وداعاً أخيراً لمرحلة نصرالله، بمشاركة إيرانية و”محور- ممانعية” بارزة، لكن ما أعطاه رمزية تاريخية خاصة كان حجم احتشاد البيئة الحاضنة، المعنيّة إيجاباً وسلباً بما منحها الأمين العام السابق في حضوره وبما فقدته باغتياله وبما بقي لها من إرثه ورهانه الأخير. تمنّى منظمو هذا المشهد، من مواطنين محليين وزوار عرب (نقلوا مبالغ ضخمة إلى الحزب)، وبالأخص على مسؤولين إيرانيين، أن تكون المناسبة احتفالاً بـ”نصر إلهي” جديد لا عزاءً كربلائياً آخر. وقد أراده “الحزب” فرصة لإظهار قوته الشعبية والاجتماعية، ردّاً على من يقولون إنه ضعُف وتراجع، وأرادته طهران إشهاداً للعالم على ما حققته. والأهم الآن، بالنسبة إليهما، ماذا بقي أو سيبقى من هذا الإنجاز؟ وكيف يمكن متابعته؟ ومن أجل ماذا؟
مقاومة الاحتلال الإسرائيلي ومقاتلته هدفٌ يباركه أحرار العالم في كل مكان، لكنه يجب ألا يتحوّل انتحاراً وألّا يمكّن العدو من استغلاله في الإبادة والدمار الشامل، كما في مناطق واسعة من الجنوب والبقاع وضاحية بيروت، وكما في عموم غزّة ومناطق متوسّعة في الضفة الغربية. لعلّ المقاومة و”محورها” تعلّما أن التضحيات مهما عظُمت ولبّت واجب “التكليف الشرعي” لا يمكنها أن تحرّر أرضاً مغتصبة ولا تصنع تكافؤاً في ميزان القوى، وقد تعاملت إسرائيل مع “طوفان الأقصى” ثم مع “إسناد غزّة” على أنهما كسرٌ لمعادلة تبنتها الدول الغربية الكبرى، مع روسيا والصين، من أجل حمايتها. لعلّ إيران نفسها أدركت الآن هذا الواقع، وإنْ لم تعترف به بعد، لأنه لا يستقيم مع شحنٍ عقائدي ومذهبي اعتبرته عنصر التكافؤ بالقوّة. اعتقدت أنها صنّعت وحشاً قادراً على “إزالة” إسرائيل، فإذا بالعدو وحلفائه أعلى درجة في الوحشية. المعادلة البديلة لا تقوم على إلغاء المقاومة والاستسلام للعدو، وإنما على البناء والتمكين الذاتيين لصدّ اختراقات العدو وتحجيمها.
التشييع المهيب لم يكن نهاية مرحلة “الحزب/ نصرالله كما عُرفت في لبنان فحسب، بل ربما يكون نهاية الحقبة الإيرانية كما طُبّقت ومورست وأفضت إلى الخراب في لبنان وسوريا وفلسطين، كما في العراق وبالأخص في اليمن. كان “الحزب” أداة متقدمة، وسمّي “درّة تاج” الإمبراطورية الفارسية، وكُلّف أدوار “طابور- خامسية” في كل تلك الدول العربية وسواها تحقيقاً للتوسّع الإمبراطوري. في السابق كانت المهمة أكثر يسراً وتوقفت بعد كل مواجهة على مواصلة إسرائيل السجال مع إيران ومحورها، فقدّر لـ”الحزب” أن يحجب الدولة اللبنانية ولـ”حركة ح” أن تحكم غزّة وتخترق الضفة ومخيماتها، وللميليشيات المماثلة أن تعربد حيثما وجدت أو أوفدت لـ “تصدير الثورة”، لا سيما في سوريا التي قاتلت فيها إيران و”حزبها” دفاعاً عن نظام كان في حماية إسرائيل ثم أُسقِط ومعه إيران وميليشياتها عندما أوقفت إسرائيل السجال وقررت الحسم ثم التوغل لاحتلال أراض سورية جديدة، كما في احتلالها التلال اللبنانية الخمس، وفي سعيها إلى البقاء في قطاع غزّة.
تعب لبنان من “حروب الآخرين” على أرضه. قالها الرئيس جوزف عون لزائرَيه الإيرانيين، أي من الآخرين. ولم يكن ليواجههما بذلك لولا أنهما أبديا “عدم التدخل” في الشؤون الداخلية للبنان، فعسى أن تكون النية الإيرانية صادقة. بل عساها تنعكس على “الحزب” الذي ارتضى أمينه العام نعيم قاسم التحرك الديبلوماسي للدولة لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وكرر الاستعداد للعمل تحت “مظلة الطائف”، أي الانضواء في الدولة والحكومة…