
وقف رئيس التيار الوطني الحرّ جبران باسيل في جلسة إعطاء الثقة لحكومة الرئيس نواف سلام في مجلس النواب، ليعلن أنه في المعارضة، وأن مهمته بعد سنوات من الحكم، صارت محاسبة السلطة التنفيذية ومساءلتها مع كل إخفاقة من إخفاقاتها.
بلحظة، محا باسيل سنوات طويلة من ممارسات تياره السياسي التي حملت عناوين “المنفعة الشخصية” والتحالف مع السلاح وتغطيته، للتمسك بالحكم. لم يتردد في انتقاد “الحزب” الذي أوصله الى مراتب سياسية عالية، ولم يتوانَ عن التصويب على سلام الذي لم يرَ بعد شيئًا “من خيره أو من شره”، تحت شعار امتهنه “التيار” طويلاً في عمله السياسي، وعنوانه “خالف تعرف”.
من بديهيات الحياة السياسية وانتظامها، أن يكون هناك موالاة ومعارضة، لكن أن تكون المعارضة جبران باسيل وتياره، ففي الأمر شيء من السوريالية. 16 عامًا، والتيار يغتنم السلطة. رئاسة جمهورية، وزارات، تعيينات، توظيفات، مشاريع، هدر، محسوبيات، سدود فارغة، كهرباء مقطوعة، خارجية “حارة كل من إيدو إلو”، ليقف باسيل بعد ذلك معارضًا، إنما هذه المرة بكبش محرقة جديد: نواف سلام وحكومته، حتى المثل العربي الشهير “كاد المريب أن يقول خذوني” يبكي في زاوية المصداقية، لأن باسيل وتياره كانا ليكونا من أشد المطبّلين لحكومة سلام لو أن الأخير رضخ لشروط باسيل ومنح تياره حقائب وزارية وازنة.
في هذا الإطار، تتوقف مصادر سياسية عند مصداقية باسيل في تموضعه الجديد، لافتة الى أنه ينطبق على “التيار الوطني الحرّ” شعار “اسمع تفرح جرب تحزن”. وترى المصادر في حديث لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، أن اللبنانيين اكتشفوا ولو متأخرين، زيف ادعاءات التيار ووعوده بالإصلاح والتغيير، إذ إنه عندما أصبح في السلطة لم يتمكن من تحقيق أي انجاز، وراح يقوم بممارسات كما لو أنه في المعارضة، لأنه في تكوينه لا يريد الإصلاح.
تضيف المصادر: “صحيح أن هذا التيار سمى نفسه تيار الإصلاح والتغيير، لكنه في الحقيقة وكما بات واضحًا للعيان، لا يسعى لا الى الإصلاح ولا الى التغيير، وقد اكتشفت حقيقته”.
وتقرأ المصادر السياسية عناوين المرحلة المقبلة، فتشير الى ان التيار الوطني الحر أصبح اليوم من دون حليف، حتى “الحزب” لم يعد مستعدًا لهذا التحالف الا اضطراريًا، فقط لمواجهة “القوات اللبنانية” والقوى السيادية، وليس لأنهما كفريقان سياسيان، يسعيان الى المشروع السياسي نفسه، مؤكدة أن كل ممارسات التيار ومن خلفه باسيل، تُظهر أنه غير قادر على نسج أي علاقة جيدة وواضحة، مع أي فريق سياسي، أضف الى أن صدقيته ومصداقيته في العمل العام مشكوك بأمرهما، انطلاقا من ممارسته خلال السنوات الست الماضية وتولي العماد ميشال عون رئاسة الجمهورية. تتابع المصادر: “دخل ميشال عون الى القصر واعدًا اللبنانيين بأنه سيسلم البلاد أفضل مما استلم، فإذا به يسلم أسوأ من كل من استلم، وهو وحده يتحمل نتيجة هذا الامر”، مشيرة الى أن اللبنانيين يتفهمون مثلًا عدم تمكن التيار من الإنجاز في موضوع حصر السلاح في يد الدولة، وهو موضوع كبير وشائك، ولكن أيعقل الا يتمكن هذا التيار من تحقيق أي إنجاز، لا في الكهرباء ولا في المياه، ولا في الاتصالات ولا في الخارجية ولا في أي ملف آخر؟
وتؤكد المصادر أن التيار بدأ اصطفافه الجديد معارضًا، بصدقية صفر، وعليه أن يقوم بمجهود كبير جدًا لاستعادة هذه الثقة التي ذهبت مع الريح لاسيما بعد عهد رئاسة العماد ميشال عون في قصر بعبدا.
وترى أن باسيل ورث عن عون الكلام الجميل والوعود البراقة التي تحاكي وجع الناس، وإذ تؤكد أن المشكلة ليست في خطاب التيار ولا في مقارباته للمسائل التي تهم الناس، إنما في معالجته لهذا الوجع ولا مبالاته في تقديم الدواء المطلوب لهذا العلاج، تجزم بأن هذا الفريق دأب على استغلال أوجاع الناس لاعتبارات انتخابية ووظائفية وسياسية، لذلك نقم اللبنانيون وثاروا عليه وباتوا على قناعة مطلقة بأنه لا يريد القيام بأي شيء، “مش لانو ما خلونا”، إنما لأنه بطبيعته لا يمتهن سوى الكلام المعسول، بعيدًا كل البعد عن أي رغبة بالإصلاح والتغيير والإنجاز.