.jpg)
في ما يلي مقاربة تقويميّة لسلوكِ رئيس البلاد، استنادًا الى ما جاءَ في ” كتاب الأمير” لمؤسِّس التّنظير السياسي الواقعي “ميكيافيللي ” الذي قال : ” ليست الألقاب هي التي تُكسِبُ الناسَ مجدًا، بل النّاس هم الذين يُكسِبون الألقابَ مجدًا “.
لقد تابعتُ بدقّة وانتباه، ككلِّ اللبنانيّين المتعطِّشين الى السّلامِ والسّلامة، مسيرةَ الرئيس المُنتَخَب، منذ تلاوةِ خطابِ القَسَم، وحتى السّاعة، فتبيَّنَ لي أنّ منصبَ الرئاسةِ الأولى لم يَعُدْ يعني حيثيّةً فاقدةَ الرمزيّة، كما كانت عليه مع أسلافِ جوزف عون، القريبين والبعيدين. والى الذين استهجنوا موقفي الإيجابي المؤيِّد للرئيس، ولم يمضِ الكثيرُ على تسلّمِه السُدّة، أستعيرُ، في الردّ عليهم، واحدًا من الأمثال الشعبيّة، ومفادُهُ أنّ ” المكتوب بْيُنقَرا من عِنوانو “.
إنّ الرّئيس جوزف عون يعرفُ تمامًا أنّه يُصارعُ في بحرٍ هائج، ويعرفُ تمامًا، أيضًا، أنّ البحرَ الهادئَ لا يَصنعُ بحّارًا ناجحًا. من هنا، بدا في كلِّ مواقفِهِ، وتصريحاتِه، ثابتَ الكلمة، جريئًا، متماسِكًا، وكأنّه يطبِّقُ قَولَ ” غاندي ” : ” إنّ أوَّلَ الحكمةِ أن تعرفَ الحقّ، وآخرَ الحكمةِ ألّا تعرفَ الخوف “.
إنّ المِعيارَ / المَرجعَ الذي ينبغي الاستنادُ إليه في تقويمِ سلوكِ الرئيس، هو مضمونُ خطاب القَسَم بالذّات، واستنادًا، تُطرَحُ الإشكاليةُ المنطقيّة التالية : هل توضَعُ مواقفُ الرئيس في خانةِ الوفاءِ بالقَسَم، أم في خانةِ الحَنَثِ به ؟؟؟
في ظلّ الحصار الذي فرضتهُ قوى الأمر الواقعِ على مواقعِ السّلطة، منذُ عُقود، كان الثّباتُ في الموقفِ الوطنيّ للحاكِمين مغامرة، بل مخاطرة، فلم نقعْ على أيٍّ من الرؤساءِ السّابقين وهو يسطّرُ موقفًا يجعلُنا نعتَبِرُه أداءَ رِجال. لذلك، كانت العهودُ السّالفةُ ملوَّثةً بالتّخاذل، تُقيمُ حَفلَ تأبينٍ للكرامةِ، ولسيادةِ الوطن، فلا رئيس استثنائيّ، يُتْخَمُ تاريخُه بلحظات الإباء، دفاعًا عن حقِّ الوطنِ بالحقّ. فلا جُرعةَ عزمٍ في سجلِّ أيٍّ من سابِقي جوزف عون، وكأنّ هؤلاء تاهوا عن مقولةِ أنّ أحدًا لا يستطيعُ امتطاءَ ظهرِكَ إلّا إذا كنتَ مُنحَنِيًا.
يُخطئُ مَنْ يَحسبُ أنْ لا ربيعَ متجدِّدٌ في لبنان، على المستوى الرئاسي، وقد زِدنا يقينًا بأنّ الرّبيعَ المأمولَ قد بدأ، عندما تابَعنا مواقفَ الرئيسن والتي صنعَت مفصلًا، فِعلُها فِعلُ انتفاضةٍ تُثري الشّعورَ بالانتماءِ الى العزّة، من فرضِ الأمنِ على طريق المطار، وفي داخلِهِ، الى انتشار الجيشِ في الجنوبِ ما اضطُرَّ الإسرائيلي الى الانسحاب، الى مَنعِ الطائرةِ الإيرانيّة من أن تحطَّ في مطار بيروت لأسبابٍ أمنيّة، الى إبلاغِ الوفدِ الإيراني بأنّ البلادَ لم تَعدْ تتحمّلُ حروبَ الآخرين على أرضِها… وهذا يعني تَجاوزًا جدِيًّا يُبعِدُ عن السيادةِ شهقةَ الموت، ويُسَلِّمُ الشَّعبَ جائزةً كبرى لطالما حلمَ بالفوزِ بها.
إنّ البندَ الأساس في جدول أعمال الرئيس، هو استرجاعُ كرامة الدولة التي انتدبَها قُطّاع الطُّرق، وفتحوا لها بابَ جهنّم، فاستعادةُ الحكم المسلوب من محميّاتٍ تُدارُ بشكلٍ غيرِ شرعيّ، يُعيد الأهميّةَ للمُعطى القانونيّ للدولة، وهو موقفٌ جريءٌ يُحدثُ صدمةً نوعيّة تُعيد الوعيَ الى ذاكرةِ النّاس بأنّ الكرامةَ الوطنيّة مُواجهة وليست استجداءً.
وبعد، لمّا كان الرئيس، من موقعِهِ الدّستوريّ، يلامسُ جراحَ الوطن، ولا يتوانى في الاستقامةِ على الحقّ، فأهميّةُ مواقفِهِ أنّها صُنِعَت من المخزونِ السياديّ في شخصِه، ومن يقظةٍ لا نجدُ فيها إلّا خيرًا مُطلَقًا، وجرأةً هي صرخةٌ لها صدًى. فيا فخامةَ الرئيس، نحن معكَ، لنبنيَ، معًا، الجمهوريّةَ الثّالثة.
