.jpg)
تربّت أجيالًا عدة على الأعمال الأدبية للمفكّر الكبير ميخائيل نعيمة، وكان بعضها معتمدًا في المدارس نظرًا إلى فرادتها وأهميتها اللغوية والثقافية، ورغم التطوّر الكبير في المناهج التعليمية لا يزال ما كتبه نعيمة في الواجهة، وتُعتبر كتبه الأكثر مبيعًا في معارض الكتب عبر الزمن.
في ذكرى رحيله، ارتأت الدائرة الثقافية في جهاز الإعلام والتواصل في “القوات اللبنانية” الإضاءة على أبرز محطات حياته.
وُلد في بسكنتا عام 1889، في قرية صغيرة يسكنها فلاحون، لا يربطها ببيروت سوى طريق تصلح لسير البغال، وليس في الضيعة مدرسة، فتعلّم عند كاهن البداية، ثم شاءت الصدف أن تفتح “الجمعية الإمبراطورية الروسية” مدرسةً في هذا المكان لتعليم الأرثوذكس، وبما أنه متفوّق أرسلوه في بعثة إلى دار المعلمين الروسية في الناصرة بفلسطين، ثم تمّ اختياره ليتابع دروسه في روسيا، وكان قد اطلع قبلها على الشعر الروسي وأحبّه، وتمنّى لو يكتب كما هؤلاء العباقرة، وتمكّن باجتهاده أن يتعلّم الروسية، لا بل أن يَنْظِم فيها قصيدته “النهر المتجمّد” عام 1910، وكاد أن يتزوج من روسية، لو لم يعد عام 1911 إلى لبنان.
وكان يودّ أن يُكمل دراسته في فرنسا، لكن القدَر تدخل مرة جديدة، وساقه إلى مكان آخر، إذ أتى شقيقه أديب من أميركا إلى لبنان، وأقنعه أن يذهب معه إلى واشنطن، وهناك درس الحقوق والآداب، وحصل على شهادة في كل من الاختصاصين، وتعرّف إلى نسيم عريضة الذي كان يُصدر مجلة “الفنون”، وبدأ ينشر مقالاته فيها، وعلى عبد المسيح حداد الذي كان يُصدر جريدة “السائح”، وجبران خليل جبران وأمين الريحاني، اللذَين شارك معهما في تأسيس “الرابطة القلمية”.
وعلى رغم أنه عاش في الولايات المتحدة الأميركية 20 عامًا، فإن قلبه بقي معلّقًا دائمًا بلبنان، والشخروب، وجبل صنين ببهائه وصفاء هوائه، هذا الجبل المهاب الذي تسلّقه سيرًا على الأقدام ما لا يقل عن 3 مرات، فقد كان عاشقًا للمشي والتسلّق، حنينه إلى الطبيعة غلب كل إغراء. أحبّ الأرض؛ لأن دروسها لا تُحصى، هاجر واستفاد علميًا، لكن جمال جبال لبنان بقي يناديه كي يعود، بل كان يتساءل عما يربطه بهؤلاء الناس الذين يعيش بينهم، فقد كان اتفاقه مع جبران، حسبما روى، أن يعودا معًا إلى الوطن، لكن عاد صديقه في نعش ليرتاح جسده في بلدته بشري، ورجع هو بمفرده ليُكمل حياته بين بسكنتا والشخروب.
الطبيعة في نظره كانت “كتابًا هائلًا وعظيمًا، لا يمكنك أن تفهمها بعينيك أو يديك، بل بروحك، إذا أبصرت صخرًا تجد له كيانًا، هو يؤثر ويتأثر بما حوله وفوقه وتحته، الصخر كائن حي، ولو لم يكن كذلك لما أثّر بشيء ولما تأثّر بشيء”، وكان يقول وهو ابن الجبل:”هذه الصخور تعني عندي أكثر من صخور، عندما أُبصر الصخر وأُبصر نبتةً بجانبه، أشعر أن هناك بينهما صلة الابن بأبيه وأمه، الصخور تحدّثني، تحدّثني عن أن الزمان وهمٌ؛ لأنها لا تُحسّ الزمان كما نُحسّه، وتحدّثني أنني سخيف جدًا عندما أقيس الزمان بالساعات”.
عاد إلى عائلته وبيته في بسكنتا، إلى الصخر الذي أحبّ، والشجر الذي عشق، في الشخروب، المنطقة التي تعلو 1800 متر عن سطح البحر، حيث كان مصيف العائلة، عثر على مغارة سمّاها “الفلك”، صار يأتيها في الصباح حاملاً أغراضه، ويجلس في زاوية المغارة يتأمل ويكتب، هناك سطّر كتابه عن جبران، وأغلب مقالات “زاد المعاد”، ومؤلّفه الشهير “مرداد”.
وكتب نعيمة سيرته “سبعون” ظنًا منه أنه يقترب من الرحيل الأبدي. لكن العمر امتد به ما يقارب القرن ليرحل في عام 1988. وتكريمًا له، تم تحويل الشخروب إلى معلم سياحي، ونحت النحات اللبناني عساف عساف مجسّمًا تكريميًا لنعيمة في الصخر، و”نَحَت تَحته بابًا مشقوقًا” على الحياة بحسب تعريفه، حيث دفن خلفه جثمان ميخائيل نعيمة.
لكن مشوار “الدائرة الثقافية” مع نعيمة لا ينتهي، لأنها تعد بأنها ستحجّ إلى المكان الذي أمضى فيه ناسك الشخروب نصف عمره تقريبًا، لتتلمّس درب المثقفين والأدباء وسط الطبيعة الساحرة، قبالة جبل صنين بِهَيبته العالية، هناك يُحيط به صمت يَليق به، فأمثال ميخائيل نعيمة لا يموتون بل يبقون أحياء بما حققوه من إبداعات تنحني لها الدائرة الثقافية في “القوات”.
