



يرتسم صليب الرماد على جباه الإيمان، “اذكر يا إنسان أنك من الله والى الله تعود”، بدأ زمن الصوم الكبير. قبل اثنين الرماد كان أسبوع المرفع وليلة خميس السكارى من ثم أحد المرفع. “شو يعني ستي أحد المرفع”؟ تجلس الى أريكتها المريحة، تطعم وجاق الحطب ما يفيض عن حاجته، فيلتهب الدفء في الغرفة، تهندس منديلها المطرز بالاويا (زهور مزركشة تزيّن المنديل) الملونة فوق شيب شعرها، تغنِج هرتها المفرطة الدلال، تنظر اليّ بعينيها الصافية الزرقاء، وتبدأ تخبرني كل الحكايا عن زمن الصوم. أجلس اليها مسحورة، أنا بنت الضيعة وأعرف بعضًا قليلًا من تلك التفاصيل الساحرة، لكن حكايات ستي عن عتيقها، هي حكاية ضيعة لبنانية في جبال لبنان المكللة بمجد التاريخ، والحكايا الحنونة، وأخبار النضال والعنفوان، وحنين التراث وتقاليد لعلها من أجمل ما كتبته الأزمنة في تاريخ الشعوب.
“ليكي ستي المرفع ييعني بس نرفع الزفر عن موائدنا”. في زمن الضيعة، كما في كل قرى لبنان، ما كانت اللحوم متوافرة يوميًا، كانت ستي تكدس القورما واللحمة في السردالة، أي جرار كبيرة من الفخار، توضع فيها اللحوم، بينما كان اللحام يأتي الى القرية مرة في الأسبوع، صباح الجمعة، ويأخذ الطلبيات كافة ويعود كل سبت محمّلًا ليوزعها على البيوت بحسب الطلب. “مكتِر الدهن باللحمة ك وديع”، يبتسم لها، “بو إدمون هيك بيحبها، عمليلي فنجان قهوة أم إدمون وحياتك مطقطق ريقي من البرم”، وتهرع ستي لتصنع القهوة للعم وديع طانوس، اللحام اللطيف صديق الضيعة بأسرها، وهو ابن صغبين الضيعة الجارة، الذي يوزع الطلبيات بوجهه الأبيض البشوش دائمًا، ويتحمّل نقّ النسوان ولا يتذمّر، مع استثناء بسيط، أنه في أسبوع المرفع يأتي العم وديع مرتين، صباح خميس السكارى لأن في بيوت الضيعة جلسات السكر ليلًا، وولائم ليست بولائم ما لم يزينها صحن الكبة النية والقصبة النية، وكل تلك الفواحش التي تغيب عن السفرة ابتداء من اثنين الرماد، ثم يأتي صباح السبت تحضيرًا لولائم أحد المرفع.
زمن الصوم، لم يكن جدي يحب الصوم عكس ستي، هو يريد أكل اللحوم يوميًا لكن “معليش إماتة للرب يسوع بصوم هاليومين” يقول، وستي كانت تفرح لأنها ترتاح من الدجاج واللحمة “وكل هالزفر اللي بيضر الصحة”. كان الصوم قاسيًا في زمن الضيعة العتيق، كان الالتزام حتى آخر التفاصيل “يسوع ناطرنا عالكوع يا ستي وأكبر خطية ما نصوم وناكل لحمة كل يوم”، تقول وهي تقشِر لقطينة كبيرة لتطهو منها الكبة الحزينة! أف، لماذا حزينة ستي؟ تضحك تضحك حتى الدمع، “لاء ستي حزينة مش يعني حداد، وانشالله ما بتحدِي على حدن تقبريني”، وأفهم أن الكبة الحزينة أي الخالية من اللحمة، مصنوعة من البرغل الممزوج باللقطين المسلوق ومحشوة بالجوز والرمان والحميضة، أما صفة الحزن تلك، فأطلقها رجال الضيعة على تلك الكبة “الدجالة” المنتحلة الصفة، لأنها خالية من أي لحوم وزفر!
كان زمن الصوم يفرض إيقاعًا مختلفًا على البيوت، كانه إعلان حال طوارئ ما، يتغير روتين البيت، تتغير المشاعر، ثمة هيك شجن، هو ذاك الفرح الحزين، ذاك اللقاء المباشر مع يسوع، ذاك الشجن الذي يجعلك رقراقًا، وكأنك تجلس مع حالك بوجه المصلوب. الساعة الثانية عشر يقرع جرس الكنيسة منذرًا بانتهاء الصوم لليوم، قبل الغداء، قبل صباح الخير، قبل كيفكن انشالله بخير، تحضر ركوة القهوة الضخمة، وتتنادى نساء الحي جميعًا للتلذذ بأطيب شراب في العالم، قهوة الصباح في الضيعة تصبح في زمن الصوم قهوة الظهر. “شو الغدا اليوم يا ستات؟” يتساءلن بين بعضهن البعض، وكل يوم، وخصوصًا الاربعاء حيث القطاعة واجب، تحضر نساء الحي الأكل القاطع، بعض المقالي والسبانخ مسامير الرِكَب والبرغل سند المعدة، أما العدس فعريس موسم الصوم بامتياز، وخصوصًا تبولة العدس! “هيدي أكلة الفقير ويخرب بيتها شو طيبة”، تقول ستي التي تلتقي ونساء الحي لتناول تلك التبولة الاستثنائية المصنوعة من البقدونس والعدس والبصل الأخضر وشراب الحصرم اللذيذ المذاق، وتؤكل بورق الملفوف شتاء، وورق العريش صيفًا. تلتقي نساء الحي معًا كل يوم في بيت إحداهن، ليتناولن الغداء القاطع معًا، مستغلات غياب الرجال في الحقول، “ويبقى الضحك والأخبار ملحقة الضيعة كلها”، تقول ستي وتغرق في حكاياتها “الإباحية” أحيانًا، عن بعض نساء الضيعة. “اوعك ستي تخبري حدن خبيت الخبريي بعبِك وقصدي بس نضحك، حرام هيدي بيوت وسرار”، وأنا حفظت الكثير من أسرار ستي والحكايا الحميمة تلك، التي لم تتجاوز قصة عيون تلتقي على الحب المستحي، أو لقاء أنامل هيك بالصدفة، وكل تلك الحكايا المغمسة بالخجل العتيق المختبئ في قلوب تعتبر الحب خطيئة وتخجل التعبير عن حالها، وحتى اللحظة لم أخبر أحدًا عن أسرار ستي تلك…
في زمن الصوم ومساء كل جمعة، والدغوش يفلش أرجوانه بسماء الضيعة، أي المغيب الموشح بانتحار الشمس حيث تلف السماء بلون رحيلها الارجواني، تتلفلف نساء الضيعة بالشال الصوف، والرجال بالكاشكووور، كما كانوا يسمونه، وهو أيضًا شال صوف سميك مخصص للرجال، ويذهبون منحنيي الرؤوس بكرامة آلام المسيح، لحضور درب الصليب. كانت الصلاة احتفالًا مهيبًا، والكنيسة الصغيرة المعتقة بأحجارها القديمة تتحول الى قصر البخور، حيث عيون يسوع تجول فوق صليبه الموشح بالشال الأسود الحرير. لم يكن أحد ليفوت رتبة درب الصليب مساء كل جمعة، وأيضًا لم يكن أهل الضيعة ليتركوا كاهن الرعية من دون اهتمام، إذ من عادات الضيعة اللبنانية القديمة أن يُدعى الأبونا الى الغداء كل يوم في بيت، وإذا لا، تتناوب نساء الضيعة على تخصيصه يوميًا بطعام الغداء “الأبونا بركة بيناتنا وواجبنا نهتم فيه ستي”، تقول.
زمن الصوم في الضيعة كأنه زمن مسحور، تحوم الحكايات فوق قلب الحنين، ما زال صوت ستي يحوم على شغافي “أوعا تخلي المرفع يلبطك ستي روحي تجوزي”، وأنا أغرق في الضحك، ولعلها تعلم أن الصبية لبّخت على مر السنين من رفسات المرفع، وأخذها نواطير الثلج الى العزوبية الأبدية، لكن بقي زمن الصوم حكايا تتناقلها قلوب من عاشوا، ليكونوا في الحنين الأبدي السرمدي، لشاب اله حلو، يقف كل يوم ظهرًا تحت قبة الكنيسة حيث يرتفع صوت الترتيلة المارونية العتيقة معلنًا انتهاء الصوم لليوم، ويذهب يسوع معنا ليأكل القاطع الموشح بنكهة منديل ستي وزمنها العابق بالمسيح وحكايا الزمن الجميل.
