
يخطئ كثيرون في تحميل الكنيسة ما لا يمكنها تحمّله أو ما لا يجوز أن تحمله من أوزار في السياسة والمال والاقتصاد، لكنهم يصيبون عندما يجدونها مقصّرة في مواكبة الأحداث الخطيرة وتقديم ما في وسعها للحفاظ على الرعية ورفع صوتها حيال القضايا المحقة. وما يصعب التسليم به، هو عندما تبدو الكنيسة وكأنها تبتعد عن ثوابتها وقناعاتها المرتبطة بمرجعية الإيمان والضمير، والتي ينبغي أن تلتزمها وتعبّر عنها بالأسلوب الذي ترغب، شرط أن يعكس جوهرها الحقيقي. فالرعية قد تتخطى ما يبلغها من أخطاء وسقطات أو هفوات لبعض رجال الكنيسة، في الأداء الشخصي أو على صعيد ممارسات غير سوية، لكنها لا تهادن عندما تقع على ما تعتبره خطايا في الشؤون الوطنية والإنسانية وتاليا السياسية الأساسية.
لفهم دقائق الخيط الرفيع بين الموقف المبدئي وبين التورّط في السياسة بمعناها الضيّق، لا بد من عودة إلى بعض الوقائع التاريخية. فعندما انطلق عصر النهضة في أوروبا، بما يعنيه من تحرّر فكري وتطوّر علمي وتحوّلات اقتصادية جذرية، لفح مختلف وجوه الاجتماع الإنساني، وشمل بلفحاته الكنيسة وموقعها ودورها بخاصة في الحياة العامة.
على أن ما تعرَّضت له الكنيسة من انقسامات وما شاب مسارها من صراعات، انتهى إلى الاستقرار على التنوّع في المذاهب والمرجعيات، من دون المس بجوهر الإيمان الذي يتمحور حول شخص المسيح المخلّص والمنتصر على الموت، وإن اختلفت المقاربات والتفسيرات المتعلّقة بالإيمان والالتزام العملي بموجباته والوسائل التي تفضي إلى خلاص النفس البشرية. أما في الجانب السياسي بالمعنى الواسع للكلمة، فإن الكنيسة انكفأت تدريجًا من التورّط في السياسة وحساباتها ودوائر نفوذها، وإن استمرت قيّمة على الضمير والأخلاق والأمانة والنظافة في العمل السياسي.
فالفاتيكان تخلَّى تدريجًا عن كونه دولة ذات جيش مقاتل وتسيطر على مساحات واسعة من الأراضي لا سيما في إيطاليا، بحيث كانت تتحالف مع دول أو تتنازع مع دول أخرى، فيما تم فصل الكنيسة عن الدولة، على غرار ما حصل بعد الثورة الفرنسية، على الرغم من أن الكنيسة احتفظت بروابط معينة مع الدولة وبخاصة في البلدان ذات الأنظمة الملكية على غرار بريطانيا.
والكنيسة في لبنان لم تكن بعيدة عن هذه التحوّلات، بل إنها كانت سبَّاقة في بعض النواحي، لا سيما بتأثير انفتاحها على أوروبا وتوافر المناخ الملائم الذي كانت دافعًا أساسيًا له، من خلال تشجيع الأمير فخر الدين الثاني الكبير على خوض غمار التحدّي التحالف مع توسكانا، وإصدار البابا في حينه براءة تسمح للموارنة بالقتال في صفوف جيش الأمير المعني، علمًا أن المطران جرجس بن مارون الإهدني تولى لاحقًا مهمة تجديد التحالف مع توسكانا برعاية بابوية.
أما العامل الثاني، فكان الأثر الطيب لمدرسة روما المارونية منذ تأسيسها في العام 1584، في تعزيز دور الكنيسة الريادي والنهضوي في لبنان. وقد شكل المجمع الماروني الذي انعقد في دير سيدة اللويزة العام 1736 مفصلًا أساسيًا في قيادة الموارنة الى مناهل العلم، بعدما فرض تعميم التعليم وإلزاميته ومجانيته كما التزمت الكنيسة بموجبه بكل ما يتعلّق بتوفير المعلمين والوسائل المناسبة لمهمتهم، وذلك بإشراف البطريرك يوسف ضرغام الخازن ومواكبة من العلّامة يوسف سمعان السمعاني موفدًا من الحبر الأعظم. ولذك لا عجب أن يكون الموارنة أبرز رواد النهضة العربية، والكنيسة المارونية الحاضنة الأولى لبراعمها.
وقد واكبت الكنيسة من كثب التحوّلات الدراماتيكية التي شهدها جبل لبنان والمحيط وصولا إلى إقرار نظام المتصرفية بعد مذابح العام 1860. وعلى الرغم من دورها الأساسي في توفير القوت وأسباب الصمود بما سمحت به إمكاناتها، لا سيما من خلال البطريركية المارونية والرهبانية اللبنانية المارونية وسواها، فإن مجاعة الحرب العالمية الأولى أثرت عميقًا في نفس البطريرك الياس الحويك، فسعى إلى استعادة لبنان الكبير لتوفير المدى الاقتصادي الحيوي للبنانيين، علمًا أنه تمسك بهذا الخيار على الرغم من النصائح الفرنسية بالإبقاء على لبنان الصغير مع بعض التعديلات. على أن البطريرك أنطون عريضة كان أيضًا من رعاة استقلال لبنان عن الانتداب الفرنسي، كما كان البطريرك مار نصرالله بطرس صفير بطريرك ثورة الأرز والاستقلال الثاني.
اليوم تواجه الكنيسة ومعها اللبنانيون وأخصهم المسيحيون جملة تحديات ترتبط بجوهر لبنان الوطن والدولة وبقدرته على الاستمرار وطنًا للشراكة الفعلية، والشراكة هي الشعار الذي اتخذه البطريرك مار بشارة بطرس الراعي لحبريته. ولذلك ينتظر الموارنة والمسيحيون، بل وشرائح من المسلمين، أن تكون بكركي عند الموعد كما كانت دائمًا في المراحل المفصلية، للمساهمة في توجيه البوصلة نحو “الخلاصات الخلاصية” إذا جاز التعبير.
ليس المطلوب من الكنيسة أن تتورّط في السياسة، لأن للسياسة أهلها الذين خبروا معارجها ومدارجها وتفاصيلها، ولكن يبقى للكنيسة أن ترسم السقوف الوطنية والأخلاقية العامة، التي ترتبط بقيم الحرية والتنوّع والعدالة وحقوق الإنسان من دون الانغماس في التفاصيل والحسابات والرهانات على اختلافها.
في أي حال، ثمة علامات قد تكون أقرب إلى الشكل منها إلى الجوهر لكنها تفعل فعلها في التأثير على هيبة الكنيسة وترفّعها ووقع كلمتها وموقفها. والملفت أن أكثر من مسألة اتخذت طابعًا جدليًا في المرحلة المنصرمة وحتى اليوم في ما خص تعاطي الكنيسة مع بعض التطوّرات، على غرار إيفاد المطران مارون عمّار لتمثيلها في تشييع السيدين حسن نصرالله وهاشم صفي الدين، علمًا أن القرار كما يبدو كان مدروسًا، إذ إن عمار مثّل مجلس البطاركة الكاثوليك، وهذا يعني اختصار تمثيل الكنائس الكاثوليكية مجتمعة بمطران واحد، هو راعي أبرشية صيدا المارونية التي تقع على تماس مع البيئة الحاضنة لـ”الحزب”، مع التمنّي بعدم الانزلاق الى أي كلام في السياسة كي لا تتكرر الإشكالات التي رافقت زيارة عدد من المطارنة لمعلم مليتا التابع للحزب.
إن الكنيسة جزء أساسي من الاجتماع اللبناني، وليس دورها خوض المواجهات على اختلافها، بل الدلالة إلى مكامن الخلل ورسم الهوامش المتعلقة بالمبادئ التي تعمل في ضوئها أو تدافع عنها. ولذلك لا تتعاطى مع الشأن العام كحزب أو كقوة سياسية، بل كمرجعية روحية توجّه وتؤشر الى الأخطاء، وتواجه عندما تكون المسألة ذات طابع عام يتخطى الاصطفافات الدينية والسياسية، وإن كان يعكس هواجس معينة محقة.
في مطلق الأحوال، وإذا كان لبنان أمام مرحلة شبه تأسيسية جديدة، فالمنتظر من الكنيسة أن تكون بدورها في صدد بناء رؤية متجددة ترتكز الى الأمثولات الكثيرة التي عاشها لبنان واللبنانيون منذ نحو نصف قرن حروبًا وصراعات وتجارب مرة تشي بأن ثمة خللًا ما لا بد من معالجته، ولا بد للكنيسة تاليًا أن تساهم في تسهيل هذه المعالجة بعيدًا من الطروحات الجامدة والمعادلات التقليدية الجميلة شكلًا والمأساوية فعلًا بنتائجها.
أنطوان مراد ـ مستشار رئيس حزب “القوات اللبنانية” لشؤون الرئاسة
كتب أنطوان مراد في “المسيرة” ـ العدد 1762
الكنيسة ولبنان وتحدّي الحفاظ على الكيان
تحديث الشراكة وتحديد ضوابط الأمان
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]