



في العادة، يكون الصراع بين جبهتين متقابلتين، لكن المفاجأة هذه المرة أن المعركة لم تسر كما جرت العادة. فبدلًا من مواجهة العدو، وجدت بعض سرايا وحدات الدفاع، بقيادة الشهيد النقيب سهيل منسى، وبمؤازرة مجموعة من فرقة الصدم في “القوات اللبنانية”، نفسها في موقفٍ غير متوقّع: حماية عناصر العدو من العدو نفسه. حينها، اختار العدو تطبيق مبدأ “عليّ وعلى أعدائي”، في مشهدٍ قلب جميع الحسابات. حنا ابراهيم، أحد الأبطال المؤسسين لفرقة الصدم في “القوات اللبنانية”، كان أكثر من مجرد اسم في التاريخ، فقد ترك بصمة لا تُنسى بفضل جهده وتضحياته. وُلد في العام 1961 في بلدة بزعون – قضاء بشري، ونشأ في أسرة بسيطة تتكون من سبعة أبناء (ثلاثة أولاد وأربع بنات). على الرغم من صعوبة الحياة، لم يَعرف حنا الاستسلام، بل تحدى ظروفه بشجاعة، وعمل في عدة مجالات لتأمين لقمة العيش لعائلته. في الوقت ذاته، انضم إلى صفوف “القوات اللبنانية” منذ العام 1982، مدافعًا عن القضية التي حملها في قلبه طوال حياته، ليكون نموذجًا للإصرار والعطاء.
لم يكن نضال حنا إبراهيم مجرد كلماتٍ أو شعارات، بل عهدًا قطعه على نفسه، التزامًا تجسّد في كل خطوة حتى لحظة استشهاده. وكأنّه كان يشعر بدنوّ المصير حين قال لزوجته كلماته الأخيرة: “انتبهي لحالك، هالمرة يمكن ما ارجع عايش…” كلمات تختصر مسيرة رجلٍ واجه المصاعب، وأدرك أن طريقه محفوف بالمخاطر، لكنه لم يتراجع، حتى لو كان الثمن حياته.
لا شك أن الحرب هي أسوأ الخيارات، لكنها أحيانًا قدرٌ لا مفرّ منه. لم يكن حنا ابراهيم يسعى إليها، لكنه أدّى واجبه كما كان مطلوبًا منه، تمامًا كما كان على كل واحد أن يلبّي نداء البقاء والصمود. لم يكن قرار المواجهة خيارًا شخصيًا، بل مسؤولية فرضتها الظروف، وحنا، كعادته، لم يتراجع.
في محاولة استباقية لإغلاق الخط الساحلي الكسرواني وفرض حصار على “القوات اللبنانية”، تم تجهيز مجموعات قتالية معادية للسيطرة، وذلك في أحد المواقع الاستراتيجية. لكن قائد الموقع المعادي تردد في المشاركة، مما أثر على سير المعركة. في هذه الظروف، تدخلت سرايا وحدات الدفاع في “القوات اللبنانية”، مدعومةً من فرقة الصدم التي كان من ضمنها حنا ابراهيم. وتمكن الشباب بفضل شجاعتهم من اختراق الموقع ومنع مجزرة، محققين انتصارًا استراتيجيًا ومحافظين على أمن الطريق الساحلي. ومع استسلام أكثر من 600 عنصر من العدو، أصبح الموقع نقطة تحوّل مهمة في المعركة.
لكن عندما تأكد الاستسلام التام للموقع ومن دون أية مقاومة، تم اتخاذ قرار بقصفه بالقذائف تنفيذًا لمبدأ “عليّ وعلى أعدائي”. في تلك اللحظات الحرجة، كان حنا ابراهيم في سباق مع الزمن لإنقاذ من تبقى داخل الموقع المحاصر. مدفوعًا بحرصه الشديد على حياة الآخرين، كان أمامه خيار واحد فقط: إخراج الجميع قبل أن تتحول الجدران إلى مقبرة جماعية.
غير أن القدر كان له رأي آخر. مع سقوط القذيفة الأولى، ارتجّت الأرض، واندفع الدخان والغبار ليحجبا الرؤية، وتناثرت الشظايا في كل اتجاه. اهتز البناء القريب، وسقط حنا أرضًا فاقدًا للوعي، فيما غطّت المكان أنفاس متقطعة تكاد تطغى على أزيز الرصاص.
وسط الدمار، ركض أحد رفاقه نحوه، غير قادر على تركه خلفه. كان حنا لا يزال حينها يتنفس، لكن وعيه تلاشى، وكأن الحياة تتسرب منه ببطء. حمله رفيقه بكل ما أوتي من قوة، محاولًا شق طريقه وسط الركام والدخان، عيناه تبحثان بجنون عن مخرج، عن أي زاوية آمنة يمكن أن توصلهما إلى النجاة.
لكن القدر، الذي بدا كأنه يتربص بهما، لم يمهلهما طويلًا. في لحظة بدت كأنها دهر، دوّى انفجار ثانٍ، أشد عنفًا من سابقه. قذيفة أخرى شقت الهواء وسقطت بالقرب منهما، وكأنها تأبى أن تمنح حنا ابراهيم فرصة ثانية للنجاة. كانت الضربة قاضية. رفيقه، الذي كان لا يزال يحتضنه، لم يعد يشعر بجسده بين ذراعيه، ولفظ حنا أنفاسه الأخيرة بعيدًا عنه كهمسة وداع… رسالته الأخيرة لم تُنطق، لكنها بقيت محفورة في ذاكرة من عاشوا بعده.
انتقل حنا ابراهيم من صربا إلى جوار ربه شهيدًا في 31 كانون الثاني من العام 1990، في اليوم الأول من تلك الحرب الالغائية السيئة الذكر التي لم تحمل سوى الألم والفقدان، تاركًا خلفه صمتًا أثقل من الحرب نفسها. لم يكن وحده من سقط، فقد أصيب من حوله بجروح بالغة، بعضهم تضررت أطرافهم، والبعض الآخر فقد وعيه تمامًا. وخفتت أصوات القذائف تحت وطأة أنين المستسلمين الذين نجوا، حاملين معهم ذكرى رجل لم يتردد لحظة في التضحية بنفسه لينقذهم.
بقي جسده بعيدًا عن مثواه الأخير لفترة بسبب الحرب، وكأن الأرض ترفض أن تحتضنه قبل أن تخمد النيران التي أشعلها الظلم. لكنه في النهاية ووريَ الثرى في مدافن سيدة إيليج، ميفوق – قضاء جبيل، حيث رقد جسده بعد مسيرة نضال وشرف.
كان حنا إبراهيم رجلاً يجمع بين القوة والحنان، يمتلك شخصية قوية وقلبًا مليئًا بالعطاء. شجاعته كانت تجسد الثبات والإصرار في المواقف الصعبة، وكان مزيجًا نادرًا من الحزم والإنسانية. لا يتردد في حماية الآخرين، ويرتكز على فكره ورصانته. كان فريدًا في تفرده، يفرض احترامه بحضوره ويترك أثرًا عميقًا بمن حوله.
لم يكن حنا إبراهيم مجرد مقاتل ومناضل ملتزم فحسب، بل كان أيضًا أبًا وزوجًا يتحمل مسؤولية عائلته جنبًا إلى جنب مع انخراطه في الدفاع عن وطنه. ترك وراءه ابنه الوحيد، إيلي، الذي كان في الرابعة من عمره عندما استُشهد. عانى الطفل الصغير من فقدان أبيه، ولكن والدته كانت له السند القوي، امرأة تتسم بالشجاعة والإصرار والعصامية، تمامًا كما كان زوجها الذي أحبته منذ اللقاء الأول. تحملت مسؤولية تربية ابنها في مواجهة تحديات الحياة، ولم تنكسر أمام الصعاب بل واجهتها بعزيمة قوية، مواصلةً مسيرة حنا بطريقتها الخاصة، بكل ثبات وقوة وتضحية.
وعلى الرغم من الفقدان، ترعرع إيلي في حضن والدته التي غرست فيه قيم والده الراحل: الكرامة، الصلابة، والإيمان العميق بالقضية. كبر ليحمل اسم والده وإرثه العظيم، إرثًا لا يقتصر على مجرد ذكرى، بل حياة منحها حنا إبراهيم لـ600 شخص، ليصبحوا آباءَ لأجيال جديدة وأبناءَ لعائلاتهم.
استشهاد “ابو ايلي” كان تضحية عظيمة اختارها بوعيه الكامل، فدافع عن وطنه وقضيته حتى النفس الأخير. لم يكن الثمن حياته فقط، بل فقد ابنه وحُرمت عائلته من ركيزتها، ومع ذلك أنقذت شجاعته حياة مئات الأشخاص. وعلى الرغم من رحيله، ظل اسمه حيًا في ذاكرة من عرفوه، محفورًا في التاريخ كرمز للبطولة والشجاعة والالتزام. لم يكن مجرد مقاتل، بل كان رمزًا للجرأة، ينتمي إلى نخبة من الرجال الذين يكملون بعضهم البعض من دون أن يتشابهوا. حنا كان فريدًا في تفرده، وكان يحرص على وطن آمن ومستقبل أفضل. صحيح أن نهاية مسيرته كانت مؤلمة، لكنه ترك إرثًا خالدًا من البطولة، يُروى للأجيال القادمة كرمز للتضحية من أجل الآخرين.