.jpg)
لمّا كان رئيس الجمهوريّة هو حارس الدستور، ويتولّى الحرص على كيانيّة الوطن، بحماية الاستقلال، وسيادة الشّعب، ووحدة الأرض، ينبغي عليه، بموجب منصبه، أن يرعى عمليّةَ سلامة الدولة، وأمن المواطنين، وحريّتهم المُصانة بالقوانين. أمّا أنّه عمود الدولة، ومرتكزُها المتين، فهذا يحمّله المسؤولية المتعلّقة بقضايا الوطن الاستراتيجيّة.
واستنادًا، تابعنا زيارة الرئيس الى المملكة العربية السعودية، ولقاءه الأمير النّشيط محمد بن سلمان، كذلك، استمعنا الى كلمته في المؤتمر الذي دعا إليه الرئيس المصري في القاهرة، مع الرؤساء العَرب. إنّ الرئيس جوزيف عون، في الموقِعَين الآنِفَين، أكّدَ، بما لا يحتملُ الشكّ، على أنّه رمزُ البلاد الوطني، وضامنُ الجمهوريّة، ووكيلُ الناس، على عكسِ ما كنّا نتابعُ، قبلَه، فولكلوريّةَ مَنْ سبقوه، والذين أوهمونا بغيرتِهم الوطنيّة، وهم أبعدُ ما يكونون عنها، ولم يكونوا، في الحقيقة، سوى نكبة الوطن المُدمِّرة.
أوّلُ ما لفتني في كلمة الرئيس الآتي من القلق، تعلّقُه بثقافة الحياة، والحياةُ نعمةٌ وكرامة، لذلك، صار من المُجدي السَّعيُ الى صيانتِها بالسّلم، فالقيمةُ هي لنُصرة الحياة، لا لمعاداةِ الأَحياء. كما لفتني تأكيدُ انتسابِهِ الى لبنان، أمّةً كيانيّةً جامعة لها وجودٌ حرٌّ وسيادة، ولها مَنْ يؤمنُ بها، وهو في مقدّمهم. وكان دفاعه عن الوطن جريئًا، فلبنان، في عِرفِ جوزيف عون، ليس ولايةً تتقلّصُ أو تتوسّع بحسب مزاجيّةِ جاراتها، إنّما هو كيان ثابت الهويّة، ومجتمعه سيّدُ الدولة، ووعاء السلطة، ورائد استراتيجيّة الدّمج حيث لا مزاحم للرابطة الوطنيّة، والانتماءِ للوطنِ مسكن البدن والرّوح. وهكذا، تماهى الرئيس مع الوطن، ومكانة الإنسان فيه، بعيدًا عن أَسطرة الشّخص، والتي كان سابقوه يكرِّسونها قاعدةً بَشِعة مهينة تقوِّض دعائمَ القيم.
ما لفتني، أيضًا، أنّ الرئيس لم يذهب الى السعودية والقاهرة ليبكي ويستبكي، ويعرضَ في حضرة أركان العرب، أنّ حلم لبنان مليئ بالليل، بأشباحِهِ وتخيّلاته الموحشة، وأنّ الوعد بالنّهوض ضاع، وخرج الوطن من رجائه صفر اليدَين. لا، جوزيف عون كان ذا كبَر، هو يعرف، تمامًا، أنّ في لبنان أزمة، لكنّه يعرفُ أيضًا، أنّ التّركيبة السياسيّة الحيّة سوف تضطلع بالتنشئة والتّنمية، وبتبصيرِ الشّعب بضرورة الانصهار الوطني، والمشاركة في مشروع قيام الدولة القادرة، وهذا ليس مستحيلًا.
ما لفتَني، كذلك، صورة الرئيس المسؤول، فقد أعاد الرَّجل الى مُعجَم الجمهوريّة كلمة ” مسؤولية “، بعدَ أن شطبها سابقوه، وعملوا على تحريفِها وتشويهِها. ودخل الرئيس، بذلك، الى كنف الاحترام، من الباب الواسع، مُحدثًا صدمةًنوعيّة تُعيد الوعيَ الى ذاكرتنا بأنّ المسؤوليّة مواجهة لا استجداء، وبأنّ الثّباتَ على الحقّ هو واجب الحرّ.
إنّ ابتهاجنا برئيس ” لبنانيّ ” ليس في غيرِ زمانه، لقد كرَّر الرئيس مرارًا، في كلمته، أنّ لبنانَ علَّمه… ومعنى ذلك أنّ مواقفَه لا تقبل المساومة، إِحياء لمفهوم الوطن السيّد، لا الوطن المنتَهَك والضحيّة. وهذا حقّ الرئيس وواجبه، خصوصًا بعد عُقودٍ من أخذِ البلاد رهينة، والحال، أنّ جوزيف عون بدأ بقَلب الموازين، وإنتاج تغيير لاستعادة ما ضُيِّعَ من الحريّة والسيادة. وليس ذلك، في الواقع، سوى انتصار، في نفس رئيس لبنان، لعامل الكرامة الوطنية على سلطان الخوف، فهو يعلَم، بالتّأكيد، أنّ الخوفَ ما كان، يومًا، سلطانًا يحكم الشّجعان.