

“وين كنا ووين صرنا”، قال الإعلامي علي حمادة في كلمة القاها في إفطار معراب الرمضاني. وين كنا ووين صرنا منذ عام حتى اليوم. وكأن الدنيا صارت في مقلبها الآخر تمامًا، وتلك “الدنيا” التي ناضل السياديون نصف قرن على الأقل، في التاريخ للبناني الحديث، ليصلوا الى ما وصلوا اليه اليوم، بدت في إفطار معراب وكأنها تحتفل مع المحتفلين بالشهر الكريم بالتأكيد، ولكن أيضًا وأيضًا بعرس سيادتها.
ليس الحديث تحديدًا عن الإفطار الرمضاني الذي دعا اليه سمير وستريدا جعجع في معراب، الحديث عن تلك الأجواء الاستثنائية التي حامت فوق الحضور الكبير في الإفطار، وعن تلك الريح الهوجاء المسكونة بشغف الحرية التي حامت في المكان فوق رؤوس الحضور، وفي القلوب المحمّلة من الأسى الكبير والأمل الكبير، الذي كنا بدأنا نؤمن أنه ما عاد من أمل بلبنان الدولة والجمهورية العريقة. الحديث عن تلك الريح التي لا يمكن لأحد أن يتلمّس نسائمها العاصفة، الا من سكنته وتسكنه منذ سنين وسنين، ذاك الحب الشغوف المجنون الحنون الذي اسمه لبنان وسيادة لبنان وكرامة لبنان والخوف الكبير على لبنان، الا يقولون مع الحنان الخوف؟
وين كنا ووين صرنا؟ أين كان لبنان العام الماضي وفي الخمسين عامًا الأخيرة، وأين هو اليوم، واليوم تجلى بواحدة من بين أحلى الصور وأكثرها تفاؤلًا في إفطار معراب. “يحلّ الشهر الفضيل هذا العام وسط جوٍّ مختلف ومعطيات جديدة تعزّز منسوب الأمل، بقدر ما تحضّنا على متابعة الجهود للوصول إلى برِّ الأمان، كي نفطر على محيط عربي متحرر من كل هيمنة وتسلُّط، وعلى وطنٍ يوفِّر المستقبل الآمنَ لأبنائه، بدولة فعلية ناجزة السيادة”، قال الحكيم في كلمته الترحيبية، والتي ضمّنها الكثير من الرسائل للدولة وللعرب وللعالم بأسره، بأن الاأام تغيرت في لبنان، وما عاد من إمكانية للرجوع الى الوراء، حيث التقوقع والعزلة عن الدول العربية والأجنبية وسطوة السلاح والميليشيات.
قلت سيكون الحضور الدبلوماسي خجولًا، وإذ به يفوق كل التوقعات، سفراء السعودية، مصر، الأردن وغالبية الدول العربية والاسلامية، جالوا في المكان، أعجبهم عبق لبنان، استرجعوه من طول تغييب واحتلالات واستعباد، فراحوا يتنشقون عبيره باللقاءات والجولات على الموائد. وزراء، نواب، سنة، شيعة، مسيحييون، دروز، لا يهم لا يهم، كأنه لبنان مصغّر جلس الى مائدة الخبز والملح، أو لنقل لقاء على الحلوة والمرّة، وهذه المرّة اللقاء جميل طيب عابق بالأمل والانفتاح.
بدت معراب وكأنها بيت كبير فيه الكثير من الغرف، وكل من فيه من أفراد العائلة، جو سيادي وحضور طوائفي وعربي غير مسبوق بنوعيته وبكثافته. “الجو كان كتير مريح وحشد كبير من السفراء العرب والدول الإسلامية، لأول مرة حضروا الى معراب، وكانوا كتير مرتاحين وكأن الإفطار يخصهم شخصيًا، واللافت أن بعض السفراء، ومنهم البخاري، صاروا يجولوا على الطاولات ويرحبوا ببعضن البعض، وكانت الحوارات إيجابية جدًا، إذ اعتبروا انهم في مكان يمثل ما يمثل من سيادة لبنان ومن وجهه الحلو، كما أكدوا جميعًا على دعم لبنان بالمرحلة المقبلة”، قال طوني مراد مستشار رئيس حزب “القوات اللبنانية” لشؤون الرئاسة.
قلت سيشوب الإفطار بعض التشنج أو لنقل التحفظ، وإذ تحول الضيوف الى ربّ المنزل، لا تحفظات، لا تشنجات وكأن شوكة واقتلعت من أجواء لبنان كله، وساد الجو الودي المرح المريح التلقائي، خصوصًا بعد إلقاء الحكيم لكلمته التي اعتبرت خارطة طريق الأيام الآتية، لما تضمنته من دعم للرئيس جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، ولمسيرة الإصلاح عمومًا، “اعتبرت كلمة الحكيم كلمة وطنية بامتياز تمثل جميع اللبنانيين” قال مراد.
“لا خلاص إلَّا بقيام دولة فعليَّة في لبنان تُعدُّ خارطة الطريق لقيامِها واضحة جدًّا وتقوم على جمع كلّ سلاح غير شرعيّ في مهلة واضحة ومحدَّدة، عودة قرار الحرب والسّلم إلى الحكومة حصرًا، سيادة كاملة على الأراضي اللبنانيَّة برمَّتها، فضلًا عن السيطرة الشرعيَّة والفعلية على الحدود الشماليَّة والشرقيَّة والجنوبيَّة”، قال الحكيم وأثنى الحضور على القول. بدا الحكيم وستريدا في غاية السعادة وكأنه لقاء عرس ما، حول مائدة لبنان، عريس الحرية الأبدي.
بدت الموائد الأنيقة المفلوشة في القاعة العامة، وكأنها دعوة للعائلة لبحث شؤون البيت، وكل فرد منها عانق اللحظة كمن يعانق أحباءه. ليس في الكلام مبالغة، لكن ما حصل في الإفطار الرمضاني في معراب، لم يكن لمّة الى مائدة إفطار فيها أطيب المآكل اللبنانية العريقة، لكن مائدة الحضور هي الدسمة، مائدة لبنان هي الأطيب، الحضور هو العراقة وهو “السفرة” الوطنية التي امتدت على جباه الحاضرين، لبنانيون وعرب وأجانب، عادوا يتذوقون لبنان ذاك الجميل الحلو النادر الاستثنائي الحضور بين العالم.
وين كنا ووين صرنا؟ كنا في المصيبة والجريمة والخطيئة والاحتلال، وأصبحنا على مائدة لبنان نفلشها على عيون العالم لنقدم لهم أشهى وأطيب الأطباق على الإطلاق، الكرامة والعنفوان والسيادة الوطنية، صرنا في “ما بيصح الا الصحيح”، فهل من إفطار رمضاني أشهى من ذلك بعد؟
