صحيفة النهار – علي حمادة
من يراقب المشهد الأكبر في المنطقة من غزة ولبنان إلى سوريا والعراق وصولاً إلى إيران، لا بد له من أن يلاحظ أن السمة المشتركة لنتائج الحرب التي اشتعلت في أعقاب عملية “طوفان الأقصى”، ثمّ تورط محور “الممانعة” بقيادة إيران في حرب بالواسطة مع إسرائيل والولايات المتحدة، هي دخول المشروع الإيراني لتفريخ الميليشيات الطائفية في المنطقة في مرحلة أفول متسارع منذ بضعة أشهر.
فبعدما حسم الإسرائيليون بشكل أو بآخر حرب غزة بتدميرها بالكامل، جرى تدمير ذراع إيران الإقليمية الأهم انطلاقاً من الساحة اللبنانية ونعني “الحزب”، ثم انهار النظام في سوريا، وضمرت جماعة ذراع ايران في اليمن، وأخيراً وليس آخراً انكمشت هوامش تحرك الفصائل العراقية المرتبطة بـ”الحرس الثوري” والمنضوية في إطار “الحشد الشعبي”، بعدما جرى إبلاغها من قبل وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، عبر رئيس الحكومة العراقي محمد شياع السوداني، أن المرحلة هي مرحلة سنّ قانون جديد لـ”الحشد الشعبي”، بحيث يتم تقليص أعداد المنتسبين إلى أقلّ من مئة ألف مقاتل، ثمّ يتمّ استيعابهم بعد توزيعهم وتفريقهم ضمن تشكيلات القوات المسلحة بإمرة الحكومة من دون شريك.
أكثر من ذلك، أخطرت الحكومة العراقية المنبثقة من كتلة “الإطار التنسيقي” الممثلة للقوى والأحزاب التي يتشكل منها “الحشد الشعبي” بخفض جوانب مهمة من العلاقات الاقتصادية والمالية والأمنية مع الإيرانيين.
ما تقدم هو جزء من المشهد الذي يعكس مدى التحولات العميقة التي أصابت المنطقة، لا سيما المشروع الإيراني فيه. وهو يجد ترجمته في مكان ما من خلال اشتعال الخلافات داخل السلطة الإيرانية.
ولعل الإطلالة الأخيرة للرئيس مسعود بزشكيان أمام البرلمان، وإعلانه بشكل صريح عن وجود خلافات بينه وبين المرشد علي خامنئي حول مسألة التفاوض مع الولايات المتحدة، حيث رفض خامنئي التفاوض مع الأميركيين، قام البرلمان الذي يمتلك فيه الجناح المتشدد في النظام أكثرية ساحقة بسحب الثقة من وزير الاقتصاد بغية عزله بتهمة فشله في الحد من التضخم وانهيار قيمة العملة الوطنية.
أعقب ذلك استقالة أو إقالة مستشار الرئيس للشؤون الاستراتيجية محمد جواد ظريف (هو أحد الوجوه البارزة التي تطالب بتحسين العلاقات مع أميركا والغرب)، وأخيراً وليس آخراً بدأ الرئيس بزشكيان تكثيف مواقفه المنتقدة لكيفية إدارة الدولة من خارج المؤسسات (من قبل مكتب المرشد).
هذا الأمر يشي بأن الهزيمة التي لحقت بالمشروع الإيراني من غزوة لبنان إلى سوريا واليمن والعراق، بدأت تنعكس بوضوح على الداخل الإيراني نفسه. والعديد من أركان النظام يتحدثون عن أن الفقر والأزمة الاقتصادية والمالية سيؤديان إلى أعمال عنف في البلاد.
وعندما تصل إيران إلى مرحلة انهيار مشروعها الإقليمي وأفول خيار الميليشيات في لحظة حساسة سياسياً مع تقدم المرشد بالعمر، وضمناً اشتعال معركة خلافته، فإن معنى الأمر أن المنطقة مقبلة على تغييرات عميقة جداً، قد تصل إلى حد إعادة رسم الخرائط السياسية للكيانات الموروثة عن اتفاقية “سايكس-بيكو”. فالإسرائيليون مع الأميركيين يقدمون مشروع إخراج سكان غزة من القطاع تحت عنوان إعادة الإعمار. وتظهر أمامنا في لبنان وسوريا ملامح لرسم حزام أمني إسرائيلي بموافقة أميركية يبدأ غرباً في لبنان عند شاطئ البحر الأبيض المتوسط، ويمرّ بالجولان السوري ومحافظات القنيطرة، ودرعا والسويداء، وصولاً إلى مثلث التنف عند الحدود المشتركة بين الأردن وسوريا والعراق، صعوداً نحو الحدود الفاصلة بين العراق ومناطق سيطرة تنظيم “قسد” المدعوم أميركاً.
نحن إذن إزاء متغيرات كبيرة وتاريخية، يمكن أن تشهد اختلالات أمنية وعسكرية مقبلة في مختلف الكيانات، ابتداءً من لبنان حيث لا يزال ملف نزع سلاح “الحزب” أساساً في قيام مشروع الدولة، ثمّ سوريا حيث إعادة رسم خريطة الدولة السورية بنظام وصيغة جديدين، فالعراق الذي سيتعرض لزلزال سياسي جراء القطيعة التي ستحدث مع 2003 – 2025، وصولاً إلى اليمن الذي سيشهد نهاية لمرحلة سيطرة أذرع ايران في اليمن على رموز الشرعية في العاصمة صنعاء وغيرها.
بعد أكثر من مئة عام، إنه زمن شبيه بزمن “سايكس-بيكو”. زمن نهاية حقبة وبداية حقبة جديدة.
