#adsense

الموهومُ بإفراط! (الدكتور جورج شبلي)

حجم الخط

لقد استمعتُ، خلالَ المواضي القريبةِ من الأيام، الى واحدٍ من متُعدِّدي الألقاب، وهو يتقمّصُ “البُسطامي”، أحدَ غُلاةِ الصّوفيّة الذي قالَ: “أنا الحقّ”، وكذلك “أنا ربُّكم فاعبدوني”. للوهلةِ الأولى، ظَنَنتُني، متَخيِّلًا، أنّ “روبيسبيير”، أو “ميرابو” قفزَ من التّاريخ، وتَعَمشَقَ بالمذياع، وراح يتحدّثُ من على مِنبرِ الثّورة الفرنسيّة، من دون أن يُهمِلَ واقعةً من مبادئِها، ويدوِّنُ توقيعَه، بعد ذلك، في وثيقةِ انبلاجِ فجرِ الدولة، وشرعةِ حقوق البشر…

هذا المفوَّه الموهوب، قالَ عن نفسِه، مرارًا، بأنّه ينطقُ بالحقّ، وبالحقِّ فقط. وقد انصرفَ المصفِّقون الإيدانتيكيّون، إِنْ في الجلساتِ أو على مواقعِ التّواصل، والتزامًا بتبعيّتهم، الى التّأكيد على ما نطقَ به موهوبُهم، وتعدادِ حميدِ نُعوتِه الوطنيّة، والأخلاقيّة، مُتّهمينَ خصومَه بالخيانة، والانحرافِ عن الحقيقة، وصَبِّ مكروهِ الصِّفات عليهم، حتى تجريدِهم من مقامِهم الانساني. وأضافوا أنّ “بليغَهم” سوف يُسجِّلُ له التاريخَ، هو وحدَه، أنّه نهجَ انفصالًا عن وباءِ اللّاهثين خلفَ المناصبِ ومغانمِ السّلطة.

ولمّا كان التّاريخُ هو وثيقةَ الوقائع، ومُدَوَّنةَ الأحداث في زمنِ الشّعوب، من دونِ أيِّ إغفال، لا بدَّ، إذًا، من أن يُسطِّرَ، بين دفَّتَيه، كلَّ ما يحصلُ في مجرياتِ الأيام، وحياةِ النّاس، وشُخوصِهم، ولا سيّما في الأزمات، أكانَ ذلك مهمًّا، أو أقلَّ شأنًا في الأهميّة. من هنا، وتأكيدًا على صدقيّةِ التاريخ، لن ينسى، على الإطلاق، المواقفَ المشبوهة التي تُفصِحُ عن التّدهورِ الدّراميتيكي لذلك المُفَوَّه الموهوم، على مستوى سلوكِه السياسي، والوطني، وأدائِهِ داخلَ السلطةِ نفسِها.

أمّا التّمنطقُ بالحقّ، وتحديدًا في الشّؤونِ الوطنيّة، فيكفي، في هذا المجال، تبيانُ التبدّل السّريع في تَمَوضعِه السّياسي، وإبرازُ التلوّنِ الفاقِع في خُطبِه، ومواقفِه، وأدائه، ما يقودُ الى الاستنتاجِ الموضوعيّ بأنّ المصلحة الشّخصية، وحدَها، هي دافعُ هذا الموهوم، وليس اهتمامه بالناس وبقضايا البلاد. واستنادًا، فإنّ أقلَّ ما يُقالُ، هو اغتيالُه للحقّ، وانحيازُه عن الصّدق، وافتراؤُه على الحقيقة.

إنّ ما نطقَ به “موهوبُنا الموهوم”، ليس سوى ثرثرةٍ غيرِ مجدية، والتي لا تبغي إلّا بَعثَ الضّغائن، والعَبثَ بالعقول، وتشويهَ الوقائع، واستغباءَ أصحابِ الأمخاخ، وتسجيلَ أنّه مشى خارجَ تيّارِ المحاصصة، وتَوَزُّعِ الحصص في الحُكم، متوقِّعًا أن تفشلَ السّلطةُ في تحقيق ما وعدَت به، لينبري قائلًا : “شِفتو، أنا وحدي معي حقّ … صوّتولي !!!”.

في النهاية، لا يمكنُ للتاريخ إلّا أن يشيرَ الى المرضِ الذَّهاني الذي تَمَكَّنَ من بعضِهم، واستعصى على كلِّ علاج. وعسى ألّا يغفلَ التاريخُ عن العَتَبِ على اللبنانيّين الذين تأخّروا في وَضعِ هؤلاءِ المرضى في الحَجرِ الوطني.​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل