.jpg)
ترددت في مرحلة الفراغ الرئاسي كما في مرحلتي التكليف والتأليف عبارة “بُعد” المرشح لرئاسة الجمهورية أو الحكومة أو الحقيبة الوزارية عن الأحزاب، لتلاقي هذه العبارة قبولًا شعبيًا وشعبويًا لاستذكار الجمهور المتلاقي المتلقي تجربة بعض الأحزاب في مراحلها العسكرية، ومعايشة لأداء هذه الأحزاب الميليشياوي في فترة السلم، إذ تتردد عبارات “العودة الى 6 شباط” من فترة الحرب من بطولة حركة “أمل” التي يرأسها الرئيس نبيه بري، و”العودة الى 7 أيار” من فترة السلم من بطولة “الحزب”.
لا شك أن اتفاق الطائف وحل الميليشيات وتسليم أسلحتها للدولة اللبنانية أو الدولة السورية، فتح أمام المقاتلين صفحة جديدة للانتقال من عهد القتال والتمرّس في الحرب، الى مرحلة العمل السياسي بالوسائل والسبل الديمقراطية المدنية العلمية والاكاديمية، على رغم بعض الشوائب التي لا تزال تعتري تطبيق الاتفاق، أهمها الاحتفاظ بالسلاح واستمرار العمل الميليشياوي تحت ستار مقاوم لـ”الحزب” الذي لم “يتسجّل” من ضمن قانون الأحزاب والجمعيات في وزارة الداخلية اللبنانية ولم يعطَ “لا علم ولا خبر”، شأنه شأن بقية الأحزاب والجمعيات في لبنان.
يعلم القاصي والداني أن من اعتمد “معيار إبعاد الحزبيين” عن الوزارات كان يهدف تحديدًا الى إبعاد أصحاب التجارب المخيّبة في العمل السياسي النيابي والحكومي والعسكري، واستجرار دعم دولي وأميركي خصوصًا وعربي وخليجي على الأخص بإبعاد الحزب المدرج على لوائح الإرهاب في الدول المعنية بإعادة الإعمار وتسليح الجيش وبسط سلطة الدولة وحدها على الأراضي اللبنانية. لذلك وعملًا بأخذ “الصالح بعزا الطالح” بدل التصويب على الحزب والحركة والتيار المعنيين، تم تعميم هذا المعيار.
لقد أثبتت التجربة وخصوصًا في الآونة الأخيرة أن “الحزب” لم يرد ولم يستطع خلع بذته العسكرية بعد أكثر من 35 عامًا على قرار حل الميليشيات العسكرية، كما لم ينوِ يومًا التخلّي عن ترسانته العسكرية وأجهزته الأمنية التي أثبتت التجارب والمعطيات والتحقيقات والمحاكمات العدلية منها والعسكرية المحلية والعربية والدولية انخراطها في الاغتيالات والتفجيرات وتهريب المخدرات وتبييض الأموال…
ربَّ معتقد بأن دستور الطائف هو من حيّد “ميليشيا الحزب” عن الحل وجنّبها تسليم سلاحها الى إيران أو لبنان، ليسقط هذا الاعتقاد أمام تفسير الحزب نفسه لبند حل الميليشيات وأمام كشفه مسؤولي الحزب لطريق التملّص منه بقرار وإدارة المحتل السوري المنقلب على الطائف، إذ يقول رئيس المكتب السياسي في “الحزب” (آنذاك) محمد فنيش في مقابلة مع صحيفة “الديار” تاريخ 15 كانون الثاني 1991، “… في اتفاق الطائف نص لحل الميليشيات، هل المقاومة التي ضحَّت وجاهدت ودفعت العديد من الشهداء، هي في الموقع نفسه مع الميليشيا التي استقدمت الاحتلال وتعاونت معه؟ اتفاق الطائف غير واضح في هذه المسألة، وهناك تجاهل واضح لدور المقاومة”.
وعن الدور السوري في تأويل وتفسير وتحوير واستنساب ما هو واضح في نص “تجريد السلاح” في اتفاق الطائف، يقول نائب الأمين العام لـ”الحزب” الشيخ نعيم قاسم في كتابه الحزب المنهج، التجربة المستقبل” في الصفحة 164: “أسئلة صعبة واجهت الحزب مع تكوين دولة الطائف بالنسبة لقرار الدولة “تجريد الميليشيات من سلاحها”. وبما أن الحزب بنى أولويته على المقاومة… حصل الحزب على ضمانات سوريّة بعدم التعرّض له… هذا القرار السياسي أخرج “الحزب” من دائرة البند الوارد في الطائف والمتعلق بـ”بتجريد الميليشيات من سلاحها”… ليشكل القرار الإقليمي السوري بتبنّي “حق المقاومة” الغطاء السياسي المساعد لـ”الحزب”.
إذا كان الاحتلال الإسرائيلي للجنوب ما قبل انسحابه عام 2000 ذريعة الحزب ووصيّه السوري ـ الإيراني للاحتفاظ بسلاحه، فإن مزارع شبعا بعد الانسحاب أصبحت ذريعة وحجة لاستمرار الميليشيا الوحيدة المتبقية على الأراضي اللبنانية… وهنا نقرأ في برنامج التيار الوطني الحر الانتخابي تحت عنوان “الطريق الآخر” وما عُرف بـ”الكتاب البرتقالي” في الصفحة 20 منه…”بعد الإنسحاب الإسرائيلي تلاشت مشروعية العمل المسلَح لـ”الحزب”… وليست ذريعة مزارع شبعا بالبرهان المقنَّع… فأراضي شبعا هي سورية من وجهة نظر القانون الدولي، وإذا ما أرادت سوريا التنازل عنها، فعليها إبلاغ الحكومة اللبنانية رسميا بذلك”.
طبعًا كما في بند حل الميليشيات في الطائف استطاع الحزب التملّص من البند المتعلّق بسلاحه في القرار 1559 في العام 2004 والقرار 1701 في العام 2006، واليوم يحاول تكرار التجارب الثلاث بتملّص جديد مع نكران ما آل إليه “الحزب” بعد خسارته قيادات المحور الداعم من سوريا وإيران مرورًا بالعراق، الى سقوط نظام الأسد في سوريا وطريق إمداده، وصولًا الى فقدان معظم قياداته في لبنان قبل إعلان هزيمته بتوقيعه على إنهاء الحزب عسكريًا وأمنيًا وماليًا في اتفاق وقف إطلاق النار عبر وزراء الحزب في حكومة تصريف الأعمال التي رأسها نجيب ميقاتي.
حسب ما رأينا على الشاشات من تمادي الحزب باستعمال الأهالي والمواطنين مطية للعودة الى ما قبل السابع من تشرين الأول 2023، إن كان في القرى المتاخمة للحدود أو في أزقة مناطق الجميزة وفرن الشباك وساقية الجنزير بمواجهة شركائه في الوطن، أو على طريق المطار بمواجهة الجيش اللبناني وقوات “اليونيفيل” والمجتمع الدولي، يتظهّر عدم إدراك الحزب أو جناح منه على الأقل، بأن مرحلة انتقاله الى حزب سياسي قد بدأت، وبأن عليه أن يحذو حذو الأحزاب السياسية المنضوية تحت كنف الدولة سواء أكانت معارضة أو موالية لأداء السلطة فيها، ولم تعد تنفع تفسيرات وقراءات الحزب الاستنسابية للقرار 1701 والاتفاق الموقع ذي الصلة لتأخير موجبات “الحلّ” بحل ميليشياته العسكرية الآن الآن وليس غدًا، ولو متأخرًا ثلاثة عقود ونصف.
“القوات” مثال يُحتذى به
لن نجد أفضل من التجربة السياسية والديمقراطية التي سلكها حزب “القوات اللبنانية” منتقلاّ من مرحلة الحرب الى مرحلة السلم ومن القتال العسكري الى النضال السياسي، لنموذجيتها الناجحة المحفّزة في هذا المجال لتطمين الحزب ذي التمثيل الشيعي الواسع، لوقف عرقلته لبسط سيادة الدولة وحدها على الأراضي اللبنانية وحصريتها للسلاح، ولتشجيعه على انتقاله الى العمل السياسي الديمقراطي، من دون سلاح.
إذ يعلم القاصي والداني كيف تنامت شعبية “القوات اللبنانية” أضعافًا مضاعفة في المرحلة التي تلت تسليم السلاح، وحتى التي تلت سنين الاعتقال والاضطهاد، وكيف كان حزب “القوات” ورئيسه محطّ إعجاب وتأييد وقبول من الجميع بعد “خروج لبنان من السجن الكبير ليخرج معه الحكيم من السجن الصغير الذي وضعوه فيه”. ومردّ الإعجاب والقبول والتأييد، أن القوات لم تحد يومًا عن المبادئ والأسس التي نشأت عليها وطبعًا من ضمن توجّهات قيادتها. وهنا نتوقف عند ما نقلته صحيفة “السفير” (غير القريبة من القوات) بتاريخ 8 كانون الأول 2016 عن رئيس حزب القوات الدكتور سمير جعجع قوله: “سأقطع رأس أي وزير يسخّر وزارته لأغراض انتخابية وغايات صرف نفوذ”.
في حين كانت الأحزاب الأخرى آنذاك تعلن العكس في هدفيتها من التوزير، وقد كشف وزير الأشغال العامة المحامي يوسف فنيانوس في حديث الى إحدى القنوات المحلية بتاريخ 21 كانون الأول 2016: “كنا نبحث عن حقيبة تساعدنا في معركة الانتخابات النيابية”… وكيف شهد الكثيرون من الأبعدين قبل الأقربين على تميّز أداء وزراء القوات في وزاراتهم، فيقول الأستاذ أنطوان حداد في 9 أيار 2017: “إدارة وزراء “القوات اللبنانية” لملف الكهرباء تستحق الثناء: شفافية، قانون، حماية المال العام، بعيدًا من المسايرة السياسية… والأمين القطري لـ”حزب البعث العربي الاشتراكي” (السوري) علي حجازي في 13 حزيران 2017: “وزراء «القوات اللبنانية” يتمتعون بالنزاهة ونظافة الكفّ والمثابرة”. والنائب فريد هيكل الخازن في 8 آذار 2018: “وزراء القوات كفهم نضيف”… والنائب بولا يعقوبيان في 4 آذار 2019: “القوات هي الجهة الوحيدة التي لم يتمكن أحد من إثبات أي ملف فساد بحقها”… والإعلامي الممانع سالم زهران في 19 تموز 2019: “وزراء القوات السابقين والحاليين هم خارج دائرة الفساد”.
ولم يَحِد رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ أحمد عبد الأمير قبلان عن المرتاحين المؤيدين المعجبين بوزراء “القوات” في الحكومة انطلاقًا من تجاربها السابقة المناقضة للتجارب التي خبرناها مع بقية الأحزاب، و”الثنائي” تحديدًا، إذ عبّر قائلا في 9 شباط 2025: “نحن في حالة ارتياح لوجود “القوات اللبنانية” في هذه الحكومة”.
لا نبالغ القول إن اعتبرنا أن خير من كشف سرّ ارتياح قبلان ونجاح وتقدم “القوات” بشبابها وشيبها بقاعدتها وقيادتها مع انتقالها الى “المقاومة السياسية في السلم” هو البطريرك مار بشارة بطرس الراعي، إذ قال في 25 كانون الأول 2021 “إن حزب لقوات معنيٌّ بمسيرة قيام لبنان وهو بالطليعة في مسيرة النضال ليستعيد لبنان هويته وجماله، أحيي رئيس حزب القوات سمير جعجع، الناسك والمخطط والمفكر، وهذا ما يجب فعله إذ إن الكتاب المقدس يقول الويل لشعب ليس فيه من يفكر”.
حبّذا لو يفطن الحزب لواقعه الحالي محليًا إقليميًا ودوليا، و”يفكر” بما قد يقع فيه بعد 35 عامًا على الاحتفاظ بسلاحه من دون أي وجه حق قانوني شرعي دستوري أو حتى إنساني، ويخطط لتفادي ما قد جرّه هذا السلاح وقد يجرّه من “ويلات” على اللبنانيين عمومًا والشيعة والحزب خصوصًا.
.jpg)