#dfp #adsense

إعادة الإعمار: معركة السيادة.. أو استمرار الفوضى

حجم الخط

لبنان ليس بحاجةٍ إلى إعادة إعمار بنى تحتية ومبانٍ فحسب، بل إلى إعادة بناء مفهوم الدولة نفسها. فالحرب الأخيرة بين “الحزب” وإسرائيل لم تكشف فقط عن هشاشة البنية التحتية، بل عن انهيارٍ أعمق: غياب الدولة القادرة على احتكار السلاح، وحماية حدودها، وفرض قرارها كمرجعيةٍ وحيدةٍ للحرب والسلم. اليوم، تحوَّل ملف الإعمار إلى اختبارٍ وجوديٍّ يُحدد مصير لبنان: إما أن يكون دولةً ذات سيادة، أو يبقى ساحةً مفتوحةً لصراعاتٍ إقليمية تُعيد إنتاجه دماراً تلو الآخر.

السيادة أولًا: المعادلة غير القابلة للمساومة
ليست المعضلة في تمويل الإعمار، على الرغم من تقديرات البنك الدولي بأن كلفته تفوق العشرة مليارات، بل في إقناع العالم أن لبنان مؤهلٌ لاستثمار هذه الأموال. فالدول المانحة، عربيةً ودوليةً، تدرك أن ضخَّ الأموال في نظامٍ سياسيٍّ مُنهار، يُدار بمنطق المحاصصة الطائفية ويتنازل عن سيادته لصالح مليشياتٍ مسلحة، هو إهدارٌ للموارد وإعادة إنتاجٍ للأزمات.

المجتمع الدولي لم يعد يشتري الوهم: لا إعمار من دون سيادة. فالدولة التي لا تستطيع توحيد المرجعية الأمنية تحت قيادة جيشها، أو ضبط حدودها، أو منع تحويل أراضيها إلى ساحةٍ لتصفية الحسابات الإقليمية، ليست دولةً قادرةً على حماية مشاريع الإعمار نفسها. هنا تكمن المفارقة المأساوية: لبنان يُطلَب منه إثبات جديته في بناء الدولة قبل أن يُموَّل، بينما يعجز عن ذلك دون موارد مالية. لكن الحل ليس في انتظار المعجزة، بل في قرارٍ سياسيٍّ جريءٍ بقطع الولاءات الخارجية، ونزع كل سلاح غير شرعي خارج سيطرة القوى الأمنية اللبنانية.

الحلقة المفرغة: إعمار يُدمَّر قبل اكتماله
التاريخ اللبناني الحديث سلسلةٌ من الدروس المُهملة التي يبدو أن بعض القوى اللبنانية لم تتعلم منها:
ـ جنوب لبنان يُعاد بناؤه بعد كل حرب، لكنه يبقى خارج سيطرة الدولة الأمنية، ليعود ساحةً للصراع مجددًا.
ـ الحدود الشرقية تُترك منفذًا لتهريب السلاح، فتُحوِّل الإعمار إلى “استثمارٍ مؤقت” في فوضى قابلة للانفجار.
ـ المؤسسات الأمنية تُهمَّش لصالح قوى مسلحةٍ تعمل كدولٍ داخل الدولة، مما يجعل أي مشروع تنمويٍّ رهينةً لصراعاتٍ غير محسوبة.

هذه الازدواجية تُنتج دورةً عبثية: دمارٌ -إعمارٌ – دمارٌ أشد. فالإعمار الحقيقي يبدأ بقطع هذه الحلقة عبر إعادة تعريف الدولة نفسها.

الدروس العالمية: لماذا لا يُكرر العالم أخطاءه؟
عندما أُعيد إعمار أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، لم تكن الأموال وحدها كافية، بل الإرادة السياسية لبناء أنظمةٍ ديمقراطيةٍ تمنع ظهور قوى مسلحة خارج الدولة. أما في لبنان، فالمجتمع الدولي يرفض اليوم تمويل فوضى تُدار من خارج مؤسسات الدولة. لهذا، تشترط الجهات المانحة خطواتٍ عمليةً مثل:
1 ـ تنفيذ القرارات الدولية 1701 و1559 لنزع سلاح المليشيات وبسط سلطة الشرعية على كامل الأراضي اللبنانية.
2 ـ إصلاح القطاع الأمني ليكون الذراع الوحيد للدولة في فرض الأمن.
3 ـ ضمان الشفافية في إدارة أموال الإعمار، عبر هيئاتٍ دوليةٍ تُنهي سياسة “تقاسم الكعكة الطائفية”.

إصلاح السيادة: من الاحتكار الأمني إلى النظام السياسي الجديد
لا يكفي الحديث عن “إرادة سياسية” من دون تفكيك البنية التي أعاقت الدولة لعقود. الإعمار الحقيقي يتطلب:
ـ ميثاقًا وطنيًا جديدًا يُنهي التنازع بين الولاءات الداخلية والخارجية، ويُخضع جميع الأطراف لسياسة دولة واحدة.
ـ اقتصادًا مُنتجًا بدلًا من اقتصاد الريع والفساد، عبر قوانين جذب استثماراتٍ تُدار بمعايير الكفاءة، لا المحاصصة.

يكفي هروبًا من المواجهة

أي قوة سياسية ترفع شعار “الوطنية” بينما تُقايض سيادة لبنان بتحالفات إقليمية، أو تُحافظ على مليشياتها كأوراق ضغط، هي شريكةٌ في تفكيك الدولة. فالشعارات الرنّانة لم تعد تخدع أحدًا:
ـ لا يُعقل المطالبة بالدعم الدولي بينما تُستخدم الموانئ اللبنانية لتهريب السلاح.
ـ لا يُقبل الحديث عن الإصلاح الاقتصادي مع استمرار نهب الموارد عبر شبكات الفساد.
ـ لا معنى للحديث عن “الوحدة الوطنية” مع بقاء الولاءات الطائفية فوق الانتماء للوطن.

المواطنون ليسوا ضحايا فحسب… بل شركاء في القرار.

إن تحميل المواطن اللبناني وحده مسؤولية الانهيار ظلمٌ مزدوج. صمود وتكاتف مختلف الفئات الشعبية اللبنانية في وجه الأزمات يثبت أن الإرادة موجودة. المطلوب تحويل هذه الإرادة إلى ضغطٍ شعبيٍّ يُجبر الطبقة السياسية على الاختيار:
ـ إما دولةٌ واحدةٌ تحمي جميع اللبنانيين، وتتفاوض مع العالم بوصفها كيانًا موحدًا، أو استمرارٌ في التذرع بالصراعات الإقليمية لتبرير العجز عن بناء مؤسساتٍ حقيقية.

السيادة أو الهاوية
لبنان أمام خيارين لا ثالث لهما:
1 ـ خيار الدولة السيادية: إصلاح جذري يبدأ بنزع السلاح من كل الجهات غير الشرعية، وبناء جيشٍ قويٍّ، وإقرار نظامٍ سياسيٍّ يقطع المحاصصة. هذا الخيار سيفتح أبواب الدعم الدولي، ويجعل الإعمار مشروعًا مستدامًا.
2 ـ خيار الفوضى الدائمة: الاستمرار في استراتيجية “إدارة الأزمات” بدلًا من حلها، مما يعني إعادة إعمارٍ هشٍّ يُهدم مرةً أخرى عند أول صراع.

الوقت ليس محايدًا. فكل تأخيرٍ في اتخاذ القرارات السيادية هو دَفْعٌ للبلد نحو الانهيار النهائي. الإعمار ليس شأنًا هندسيًا، بل مشروعًا سياسيًا يبدأ بإجابةٍ واضحة: هل نريد لبنان دولةً… أم مجرد ساحةٍ لصراعٍ لا ينتهي؟

خبر عاجل