صحيفة النهار – علي حمادة
هذا هو الاستنتاج الوحيد الذي يخرج به المراقب من المقابلة التلفزيونية الأخيرة للأمين العام لـ”الحزب” الشيخ نعيم قاسم. فقد بدا واضحاً من خلال مضمون المقابلة والمواقف التي أدلى بها قاسم حول مسألة تسليم السلاح وحلّ التنظيم العسكري-الأمني للحزب، وإنهاء وظيفته المرتبطة بالسلاح داخلياً وخارجياً على حدّ سواء، أن الحزب في مكان آخر، والمحور الذي تقوده إيران في مكان آخر. فقيادة الحزب لا تتحدث عن تسليم السلاح في لبنان وبسط سلطة الدولة بقواها الذاتية، بل حتى إن الوقائع على الأرض لا تشير لا من قريب ولا بعيد إلى أن تفكيك البنية العسكرية للحزب جنوبي نهر الليطاني يسير على النحو المطلوب وفق اتفاق وقف إطلاق النار. صحيح أن ثمة تقدماً في موضوع تسلم الجيش ومصادرة أسلحة في منطقة عمليات “اليونيفيل” لكن الأصحّ أنها عمليات خجولة مقارنة مع ما هو مطلوب. أكثر من ذلك، إن الحزب المذكور لا يتصرف على قاعدة أن سلاحه يجب أن يتم تسليمه إلى الدولة، والانتقال إلى العمل السياسي بعيداً عن أي حالة مسلحة ميليشيوية. إنه مصر على سلاحه، وعلى إعادة بناء قدراته وتأهيل هيكليته العسكرية والأمنية كأن شيئاً لم يحصل. وقيادة الحزب تخاطب الشرعية اللبنانية بفوقية لم تغادرها حتى بعد أن تعرضت لهزيمة على يد الإسرائيليين، واغتيل معظم قادته وفي مقدمهم السيد نصرالله. والموقف الرسمي الذي يعلنه الحزب المذكور ومن خلفه مرجعيته الإقليمية في طهران يختصر الإصرار على بقاء السلاح، والهيكلية العسكرية والأمنية والوظيفة الداخلية والإقليمية المصاحبة لها.
هؤلاء لم يدركوا أن مواقف المزايدة على الحكومة من قبيل مخاطبة الشيخ نعيم قاسم الشرعية اللبنانية قائلاً: “فرجونا شو بيطلع منكم”، هي بمثابة إعلان تمرّد على الشرعية، وعلى القرارات الدولية، واتفاق وقف إطلاق النار، لا بل إنه إعلان العداء مع الأكثرية الساحقة من اللبنانيين الذين يعرفون أن لا قيامة للدولة ما دام هناك سلاح غير شرعي يسمّي نفسه “مقاومة”. منذ أعوام طويلة ونحن نقول عبثاً نعيش كلبنانيين في وطن طبيعي وتحت مظلة الدستور والقانون ما دام هناك هذه الحالة الشاذة. فهذه الأخيرة هي نقيض الدولة، ونقيض الشرعية. إنها حالة تمرد عدواني على خيارات الأكثرية الساحقة من اللبنانيين. ولذلك نعتقد أن الصراع العميق والوجودي على هوية لبنان لا يزال دائراً، وسيبقى قائماً إلى أن يتم حل الجماعات المسلحة اللبنانية وفي مقدمها “الحزب” وغير اللبنانية وفي مقدمها الفصائل الفلسطينية. ومن المهم ألا يتصرف أركان الدولة وفي مقدمهم الرئيسان جوزف عون ونواف سلام وكأن شيئاً لم يحصل. فأركان الحزب المذكور يعلنون في كل يوم صراحة أنهم متمردون على الشرعية، ويواصلون ممارسة أعمالهم ووظيفتهم الأمنية والعسكرية في لبنان وخارجه وكأن عون وسلام والحكومة مجرد واجهة جديدة لسلاح قديم!