.jpg)
تمرّ الشعوب عبر تاريخها بمحطّات مختلفة، منها البرّاقة ومنها الباهتة ومنها المظلمة. ولعلّ لهذه المحطّات آثار منها السلبي ومنها الإيجابي. ولا تأتي هذه الآثار إلّا نتيجة لردود فعل يمارسها النّاس تعبيرًا عن هواجسهم على أرض الواقع. بعضهم ينجح بمأسسة هواجسه فيصرفها محايثة سياسيّة يدخل فيها في الحيّث السياسي، قد ينجح أو لا، ذلك منوط فقط بطريقة أدائه. وبعضهم الآخر قد يفشل بترجمة هواجسه في هذا المجال؛ فيسقط في مسلسل الخيبة الذي قد تعرف بداياته، لكن نهاياته تبقى مجهولة، ووليدة الأداء المرتكز إمّا على ثالوث الإيمان والرّجاء والأمل، وإمّا على ثلاثيّة الغيبيّات والمحرّمات والمحرقات. فهل سيستطيع لبنان الجديد أن يستنهض الثالوث أم سيغرق في الثلاثيّة؟ وما السبيل إلى ذلك؟
ردود الفعل وما بعدها خيبة
الإنسان مجبول من متلازمين يتعارضان أحيانًا ويتوافقان حينًا، هما الفعل وردّ الفعل. ولطالما كان انعكاس ردّ الفعل أسوأ على الإنسان من الفعل بحدّ ذاته لأنّ ردّ الفعل غالبًا ما يكون مرتبطًا بالدّفع العاطفي الانفعالي بعيدًا من خوارزميّات العقل الرّياضي المنطقي. مع الأخذ بالاعتبار وجود بعض الاستثناءات في تاريخ الإنسانيّة حيث كانت انعكاسات بعض الردود إيجابيّة، لكن سرعان ما كانت تحتاج إلى عمليّة عقلنة ترتيبيّة لإعادة تنظيمها وفقًا لأدنى قواعد المنطق والإدراك.
يكفي في هذا السياق استذكار مرحلتي 14 آذار و17 تشرين. هاتان المرحلتان اللتان بنيتا على منطق ردّ الفعل سرعان ما سقطتا في التجارب. وذلك مردّه لأنّ أيًّا منهما لم تخضع لعمليّة العقلنة الوطنيّة. فانهارتا لمحدودية النّظر ولعدم القدرة على ترجمة النّظري إلى العملي لعدّة اعتبارات أبرزها عاملا الخوف والسطوة.
أمّا المرحلة التي تلت ردّ الفعل على الاتفاق الثلاثي التي قادها سمير جعجع في انتفاضة 15 كانون الثاني 1986 فتكاد تكون الوحيدة في تاريخ لبنان المعاصر التي خضعت لعمليّة العقلنة وإعادة ترتيب الخوارزميّات الوطنيّة، ولو في منطقة ضيّقة على مساحة الوجود الحرّ. وهذه المرحلة بالذّات هي التي أسّست لاستعادة الدولة؛ لكنّها سرعان ما عادت وتعثّرت لأنّها خضعت لعمليّة ردّ فعل لا يمتّ إلى العقل بشيء في 14 آذار 1989. فعاد الهيكل وانهار في 13 تشرين الأوّل 1990. وهذا ما أدخل المجتمع المسيحي في مسلسل خيبة أبطاله ثلّة من الذمّيّين اليوضاسيّين الذين باعوا إرث تاريخ الوجود الحرّ في هذه الأرض بمقعد في برلمانات الارتهان ووزارات السورنة وقتذاك. وما لحقت هذه الخيبة أن تلفظ أنفاسها في 14 آذار 2005 حتّى عاد الشيطان وخنقها في 7 أيّار 2008.
أمّا تاريخ 17 تشرين الذي نتج عن ردّ الفعل على منظومة مافياويّة سرقت النّاس بغطاء من سلاح ميليشياويّ غير شرعيّ، فلم تستكمل عمليّة العقلنة، بل غاصت في أمواج ردود الفعل وشيطنة الكلّ تحت شعارها الذي طبع الأذهان وقتذاك “كلّن يعني كلّن”؛ فسقطت في التجارب وتركت اللبنانيّين يغرقون في بحار من الخيبة واليأس والقنوط. حتّى إنّ بعضهم هجر لبنان إلى غير رجعة وفضّل العيش في بلاد الصقيع والجليد تحت ذريعة أنّ القانون في الثلاجة خير من الفوضى في البرّاد!
في أسباب الخيبة
لعلّ أبرز الأسباب التي تؤدّي إلى الشعور بالخيبة هي أن يرفع الإنسان من سقوف توقّعاته، ولا سيّما تلك الوطنيّة. من مثل تغيير البنية السياسيّة والعقل السياسي الذي استولد هذه البُنى بلحظة ردّ فعل. وهذا تمامًا ما حصل عبر تاريخنا المعاصر حيث رفع اللبنانيّون سقوف توقّعاتهم من تحرّكاتهم التي لم تعدُ كونها مجرّد حراك عفويّ يفتقد إلى العقلنة.
فضلًا عن أنّ الشعور بالخوف الدّائم من المواجهة يولّد سلسلة متتابعة من الخيبات التي تنمو بشكل تصاعدي حتّى تؤدّي إلى الاستسلام الكلّي، على قاعدة بعض الأمثال الشعبيّة التي تربّينا عليها مجتمعيًّا من مثل: “شو طالع بإيدنا، شو العين بدّها تقاوم المخرز؟” وغيرها أمثالها كثر.
زد على ذلك، هذا الشّعور بالحياد السلبي تطبيقًا لبعض الأمثال الشّعبيّة الأخرى من مثل “شو وقفت عليّي، طالما حايدة عن ضهري معليش”؛ فترى الإنسان يتحوّل إلى آلة للعيش السلبي بعيدًا من أيّ شعور بضرورة المواجهة، لا بل أكثر من ذلك، إذ تنشأ في هذه الحالة ثقافة الخضوع واللامواجهة. فيدخل الإنسان في دوامة من الخيبات التي تصل نهايتها إلى حدّ الانتحار الوجودي، وبالتّالي الاندثار الإنساني. فتموت الانسانيّة في الانسان تحت ذريعة ضرورات البقاء تبيح محظورات الاستسلام.
ولعلّ المرحلة التي امتدّت في تسعينات القرن المنصرم جسّدت عند بعض اللبنانيّين هذه الحالة لتبرير خيبتهم الوطنيّة، فتحوّلوا إمّا إلى أتباع خاضعين، وإمّا إلى مخبرين في البلاط، له وفيه وأحيانًا أخرى عليه.
التربية الخاطئة
لعل التربية الخاطئة هي من أبرز مسبّبات ما أشرنا إليه. وهي التي تحوّل المواطن من حالة الوطنيّة الطبيعيّة إلى حالة سلبيّة فتنتج عنها حالات مختلفة من الخيبة. أو قد تحوّل المواطن إلى حالة من الوطنيّة المفرطة فتؤدّي ردود فعله غير المنظّمة إلى انتحاره. من هذا المنطلق تبرز الحاجة الوطنيّة إلى عمليّة تحرّر سياسي للسياسة في التربية. فمن غير المقبول بعد اليوم أن تشيطن السياسة بسبب ممارسات بعض الساسة، أو بسبب خيبة بعض الذين ساروا خلف بعض الساسة الفاشلين؛ هؤلاء الذين حطّوا من قيمة هذه الممارسة الرفيعة.
فالسياسة كعلم ومهنة، هي من أرقى العلوم ومن أنزه المهن، إذ تعلّم المتعلّمين في هذا الاختصاص فنّ القيادة. والكلمة اشتقّت من فعل ساس أي قاد. ومهنة القيادة هي أشرف المهن. فحيثما يكون القائد الناجح تحلّق النسور، وحيثما يكون القائد الفاشل تكثر الجِيَف. والنسور تحلّق فوق الجِيَف لأنّها لا تأكل الفضلات.
ولعلّ أسوأ نتائج الخيبة هي الهروب. هذا الهروب الوطني الذي بُرِّرَ بالهجرةِ. وهذه الهجرة تحوّلت إلى نظام لاستمرار الوجود على حساب كسر الحدود ودكّ السدود بين الشعوب. فسقط مفهوم الأوطان بحجّة الانفتاح والتحرّر والتَّعَوْلُمِ. لكنّ الهجرة تبقى هجرة. والوطن عندما يفرغ من أبنائه يصبح مستباحًا لمن ليسوا من ترابه.
زمن الأوّل تحوّل
من هنا علينا البحث في كيفيّة تحوّل التركيبة النفسيّة للإنسان من حالة الخضوع واللامواجهة إلى حالة المقاومة المستمرّة. فالمسؤول أوّلًا عن هذه الحالة هو الإنسان بنفسه. المطلوب منّا أن نقرأ قراءة صحيحة لنعرف أن نشخّص العلّة بطريقة سليمة لنستطيع أن نعرف الدّواء الصحيح.
فمن جبال قوروش إلى وادي قنّوبين عرف الأجداد كيف يغرقون بإنسانيّتهم السّموحة. فخرجوا من الوحش غير الإنساني الموجود فيها. فتعزّز لاهوت الإنسان المقاوم انطلاقًا من الصمود المستمرّ في قنّوبين. وتمّ احتضان الإنسان المظلوم حتّى نجح المجمع اللبناني عام 1736 بنقل المجتمع من وحشيّته، وذلك بالتربية الحقيقيّة والتعليم الصحيح. فتحرّر الإنسان اللبناني من القهر والظلم. طبّق مبدأ الرحمة. وساد الغفران والمسامحة لأنّ اللبنانويّة اتّحدت مع اللوغوس في هذه المرحلة بالذات.
فالمطلوب منّا أن نعيش إنسانيّتنا بعضنا مع بعض. فتزول الخيبة. علينا أن نعيش لاهوتنا بناسوتنا. حتّى نستطيع أن نرتقي بناسوتنا إلى اللاهوت الكلّي. فما كان في الماضي القريب سائدًا وسيّدًا صار راضخًا ومَسودًا. وبدأت الدّولة باستعادة عافيتها. وبالتّالي لمع نور في عمق الغسق. ولاح البريق في الأفق.
ولكنّ ذلك كلّه كان عصيًّا عن التحقّق لولا وجود جماعة الإيمان والرّجاء والقيامة. فأهل الموت يدفنون موتاهم. أمّا أهل الحياة فيفرحون بلقاء العريس. وحدهنّ العذارى الحكيمات يبصرنه. أمّا الجاهلات فيبقين في الظلمة لأنّهنّ لم يسهرنَ وينتظرنَ المخلّص.
مسلسل الخيبة يستمرّ في النّفوس التي فتحت له قرارها حيث يجد المأوى ليستقرّ فيها. لكنّ النّفوس المفطورة على الرّجاء والإيمان والحياة تأبى الموت وتنشد الحياة. أما آن لوطننا الذي أقحموه في الخيبة والموت أن يدخل في الرجاء ليقوم في الجمهوريّة الثالثة؟
كتب د. ميشال الشمّاعي في ““المسيرة” ـ العدد 1762
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com
