#dfp #adsense

دبلوماسية الدولة تنجح حيث يعجز السلاح

حجم الخط

الدولة اللبنانية

في ظل التحديات المتصاعدة سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، يفرض الواقع اللبناني نقاشًا جادًّا حول معادلة الدولة والسلاح، لا كجدال نظري، بل كخيار وجودي بين استكمال مسار التصحيح أو العودة إلى فوضى الماضي. فمع العهد الجديد للرئيس جوزيف عون، بدأت الدولة تخطو خطوات ملموسة لاستعادة زمام المبادرة، عبر تحويل الدبلوماسية من شعارات إلى أدوات فعلية، كما في ملف تحرير الأسرى وإدارة التفاوض الدولي، وهو ما يُشكّل سابقة تُثبت أن الدولة قادرة – حين تُمنح الفرصة – على فرض نفسها كفاعلٍ مركزي.

أثبتت التجربة التجارب أن احتكار الدولة لقرارها السياسي والعسكري تحقق استقرارًا دائمًا، بينما الاستمرار بازدواجية السلطة سيكون ثمنه باهظًا من فوضى وعزلة. لبنان اليوم، وبعد عقود من التهميش المؤسساتي، يُعيد اكتشاف دوره عبر خطوات عملية بدأت تعيد الاعتبار لمفهوم السيادة، لكن الطريق لا يزال طويلًا لتحويل هذه البداية إلى نهج دائم.

 

السيادة الوطنية ومتطلبات الشرعية

السيادة ليست شعارًا، بل ممارسة فعلية تستند إلى احتكار الدولة للقرار السيادي، سواء في السياسة الخارجية أو في الملفات الأمنية والعسكرية. في لبنان، أدى وجود سلاح خارج إطار الدولة إلى إضعاف موقعها التفاوضي، حيث باتت القرارات المصيرية خاضعة لتوازنات لا ترتبط بالمصلحة الوطنية، بل بحسابات فصائلية وإقليمية.

تشير الوقائع إلى أن الإنجازات السياسية الكبرى، مثل القرار 1701 الذي وضع إطارًا لقواعد الاشتباك مع إسرائيل، واتفاق وقف إطلاق النار الذي أنهى الحرب الأخيرة، بالإضافة إلى تحرير الأسرى اللبنانيين عبر جهود دبلوماسية مكثفة، جاءت جميعها نتيجة تحركات مؤسساتية رسمية. في المقابل، أثبتت المواجهات العسكرية أنها غالبًا ما تؤدي إلى دمار البلد وتفاقم الأزمات الداخلية كما تساهم بتعميق العزلة الخارجية، بدلاً من تحقيق مكاسب استراتيجية مستدامة. إن الدولة، من خلال دبلوماسيتها، تحاول احتواء تداعيات الصراعات المسلحة وتصحيح المسار عبر تفعيل القنوات القانونية التي تُعيد الاعتبار للقرار الوطني المستقل.

من هذا المنطلق، فإن أي سياسة وطنية تهدف إلى تعزيز موقع لبنان دوليًا يجب أن ترتكز على توحيد القرار السيادي تحت سلطة الدولة وضمان التزام جميع الأطراف بالشرعية اللبنانية والدولية.

 

السلاح عامل تعطيل لا أداة حماية

التجارب الدولية تؤكد أن تعدد مراكز القرار الأمني والعسكري داخل أي دولة يؤدي إلى إضعافها داخليًا وخارجيًا، مما يفقدها القدرة على فرض سياساتها كطرف موحد في أي معادلة إقليمية أو دولية. في الحالة اللبنانية، أدى استمرار السلاح خارج سلطة الدولة إلى:

ـ إضعاف الثقة بالمؤسسات الرسمية: إذ باتت القرارات المصيرية تُتخذ خارج الأطر الدستورية، مما قوض دور الدولة وجعلها عاجزة عن فرض القانون بشكل متوازن.

ـ عزلة لبنان عن محيطه العربي والدولي: الدول تتعامل مع الحكومات الشرعية، لا مع الكيانات الموازية، وهو ما انعكس سلبًا على الاقتصاد والاستثمارات والعلاقات الدبلوماسية.

ـ تكرار النزاعات المسلحة التي تستنزف البلاد اقتصاديًا وسياسيًا: حيث باتت دورة التصعيد والتهدئة مرتبطة بقرارات لا تراعي المصلحة الوطنية، مما جعل لبنان ساحة صراع إقليمي دائمة.

 

إعادة الاعتبار للدولة كمرجعية وحيدة

الانتقال من حالة اللادولة إلى دولة ذات سيادة يتطلب خطوات عملية تُعيد الاعتبار للمؤسسات الرسمية كمصدر وحيد للشرعية في إدارة الملفات السيادية. ويبدأ ذلك عبر:

1 ـ إعادة هيكلة العلاقة بين الدولة والسلاح، بحيث يكون قرار الحرب والسلم بيد المؤسسات الدستورية وحدها.

2 ـ توحيد المرجعية التفاوضية للبنان دوليًا، لضمان عدم تقويض الجهود الدبلوماسية عبر مواقف متضاربة.

3 ـ ربط الاستقرار الاقتصادي بالاستقرار السياسي والأمني، إذ إن أي خطة إصلاحية ستكون غير مجدية طالما بقيت عوامل عدم الاستقرار قائمة.

 

المسار الواقعي: من الفوضى إلى تثبيت الشرعية

النقاش اليوم لم يعد مسألة إيديولوجيات أو تحالفات سياسية، بل تحوّل إلى اختبار عملي لقدرة الدولة على استعادة دورها الطبيعي. الاتفاقيات الأخيرة، مثل تحرير الأسرى عبر التفاوض الدولي، وتفعيل ملف ترسيم الحدود تحت إشراف الدولة، تؤكد أن الخيار الوحيد لوقف الانهيار هو تعزيز السيادة، وليس العودة إلى التجارب الفاشلة.

على الرغم من أن التحديات لا تزال كبيرة، إلا أن الواقع يثبت أن الدولة، حين تُمنح الفرصة، قادرة على تحويل الأزمات إلى فرص. نجاحها في ذلك يعتمد على ترسيخ مبدأ “الشرعية فوق القوة” في كل الملفات، بدءًا من ضبط السلاح غير الشرعي وصولًا إلى إدارة العلاقات الخارجية من موقع الدولة الفاعلة لا الدولة التابعة.

تحويل الإنجازات الجزئية، مثل تحرير الأسرى، إلى نهج ثابت يتطلب استراتيجية دبلوماسية طويلة الأمد، تضع لبنان في موقع الشريك الدولي القادر على فرض رؤيته، لا الساحة التي تتحكم بها معادلات القوة غير المشروعة.​

إقرأ أيضًا

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل