#adsense

تحوّل السياسة الأميركية تجاه إيران.. التصعيد على الباب

حجم الخط

إيران

تُعد العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران واحدة من أكثر الملفات تعقيدًا في الشرق الأوسط، حيث تتقاطع المصالح الجيوسياسية، والطموحات النووية، والتوازنات الإقليمية. ومع تغيّر الإدارات الأميركية، شهدت السياسة تجاه إيران تذبذبًا بين نهجين رئيسيين: الدبلوماسية المشروطة التي اتبعتها إدارة بايدن، والضغط الأقصى الذي تعتمده إدارة ترامب الحالية. لكن بينما سعت واشنطن دائمًا إلى تقويض النفوذ الإيراني، اختلفت أدوات التنفيذ بين محاولة الاحتواء أو فرض الاستسلام التام.

 

استراتيجية بايدن: دبلوماسية ذات سقف منخفض للضغط

اعتمدت إدارة بايدن (2021 ـ 2024) على إعادة تفعيل الاتفاق النووي (JCPOA) الموقّع في العام 2015 في عهد أوباما، متبنيةً نهجًا دبلوماسيًا يهدف إلى تفادي المواجهة المباشرة مع إيران عبر تقديم حوافز اقتصادية مقابل ضبط أنشطتها النووية. غير أن هذه المقاربة، التي ارتكزت على التفاوض بدلًا من التصعيد، أفرزت نتائج عكسية منحت طهران مساحة أوسع للمناورة.

ركائز الاستراتيجية

اعتمدت إدارة بايدن نهجًا مرنًا في التعامل مع إيران، إذ قدمت تنازلات اقتصادية من دون فرض شروط صارمة على برنامجها النووي أو الصاروخي، مما منح طهران مساحة للمناورة بدلًا من تقويض نفوذها. كما اكتفت بعقوبات محدودة استهدفت شخصيات وشركات مرتبطة بالحرس الثوري، من دون توجيه ضربات حاسمة للاقتصاد الإيراني. أما في ما يتعلق بالضربات الإسرائيلية ضد إيران، فقد تبنت واشنطن موقفًا حذرًا، متجنبة أي تصعيد قد يجرّ المنطقة إلى مواجهة شاملة.

أثبتت هذه الاستراتيجية قصورها في كبح جماح إيران، التي واصلت تخصيب اليورانيوم بمستويات بلغت 60% بحسب آخر تقرير من الوكالة الدولية للطاقة الذرية  (IAEA)، قتربةً أكثر من العتبة النووية الحرجة. وبدلًا من فرض قيود حقيقية على طهران، بدا نهج بايدن كسياسة احتوائية رخوة أفسحت في المجال أمام إيران لتعزيز نفوذها الإقليمي من دون تقديم تنازلات جوهرية.

استراتيجية ترامب: الضغط الأقصى وإغلاق كل المنافذ

مع عودة ترامب إلى البيت الأبيض، انتقل النهج الأميركي تجاه إيران من سياسة الاحتواء إلى العزل التام، معتمدًا على فرض معادلة لا تترك لطهران أي مجال للالتفاف على الضغوط. ترتكز هذه الاستراتيجية على ثلاثة محاور رئيسية تهدف إلى خنق الاقتصاد الإيراني، تحجيم نفوذها الإقليمي، وإجبارها على التراجع من دون منحها هامشًا للمناورة.

1 ـ شلّ الاقتصاد الإيراني وإغلاق مصادر تمويله

تصفير صادرات النفط والغاز عبر عقوبات صارمة استهدفت قطاع الطاقة، مما أدى إلى انخفاض حاد في عائدات إيران النفطية. كما تم استهداف النظام المالي الإيراني من خلال تشديد العقوبات على البنوك وشبكات التهريب التي تستخدمها طهران للالتفاف على القيود الدولية، إضافة إلى وقف التحويلات المالية العراقية لإيران مقابل واردات الغاز والكهرباء، مما حرم طهران من أحد أهم مصادر العملة الصعبة. على الرغم من محاولات إيران الالتفاف على العقوبات عبر شبكات التهريب والتحويلات المالية غير الرسمية، لا تزال قدرتها على الوصول إلى احتياطيات النقد الأجنبي مقيدة. القيود المفروضة على النظام المالي الإيراني زادت من صعوبة تأمين السيولة الصعبة، مما جعل طهران أكثر عرضة لتقلبات الأسواق والعقوبات المستمرة، وأثّر بشكل مباشر على قدرتها على تمويل وكلائها الإقليميين.

2 ـ تقويض نفوذ إيران الإقليمي عبر الضربات العسكرية والعقوبات

شهدت السياسة الأميركية تصعيدًا عسكريًا واستراتيجيًا يهدف إلى تقويض النفوذ الإيراني في المنطقة من خلال استهداف وكلائها الرئيسيين. في اليمن، تصاعدت العمليات العسكرية ضد الحوثيين في محاولة لقطع أحد آخر الأذرع الإيرانية وتعطيل قدراتهم العسكرية. في لبنان، يشتد الضغط على “الحزب” بعد الحرب الأخيرة مع إسرائيل، حيث تُستكمل هذه المواجهة بفرض عقوبات أكثر صرامة، بالتزامن مع دعم أميركي مكثف للضربات الإسرائيلية التي تستهدف بنيته العسكرية، مما أدى إلى إنهاء دوره الإقليمي. أما في العراق، فتم استهداف الميليشيات الموالية لطهران بضربات مباشرة، مع تصاعد الضغوط على الحكومة العراقية لنزع سلاح “الحشد الشعبي”، وسط تهديدات أميركية – إسرائيلية بضرب أهداف داخل العراق في حال استمرار الميليشيات الإيرانية في زعزعة استقرار المنطقة، وهو ما أسهم في تقليص قدرة طهران على استخدام بغداد كقاعدة إقليمية لنفوذها.

3 ـ التصعيد العسكري والنووي: القوة أولًا، والدبلوماسية وسيلة للإخضاع

تسارعت وتيرة التصعيد الأميركي تجاه إيران، حيث لم يعد الملف النووي وحده محور الضغوط، بل توسعت شروط التفاوض لتشمل تفكيك البرنامج الصاروخي الإيراني بالكامل، في خطوة تهدف إلى نزع أحد أبرز عناصر القوة الردعية لطهران. في موازاة ذلك، أصبح الخيار العسكري أكثر وضوحًا، مع تلويح واشنطن بضربة استباقية تستهدف المنشآت النووية الإيرانية، ما يضع طهران أمام معادلة صعبة: إما الرضوخ لشروط أميركية مشددة أو مواجهة سيناريو التصعيد العسكري المفتوح.

تأثير الداخل الإيراني: الاحتجاجات والانقسامات تضعف هامش المناورة

على الرغم من أن إيران لطالما راهنت على تجاوز العقوبات والتصعيد العسكري، إلا أن الضغوط المتزايدة لم تعد تقتصر على الجبهات الخارجية، بل امتدت إلى الداخل، حيث يشهد النظام تصدّعات متزايدة. التدهور الاقتصادي الحاد، مع ارتفاع معدلات التضخم وتراجع قيمة الريال، أدى إلى تفاقم الأزمات الاجتماعية، ما أجج موجات احتجاجات واسعة النطاق، كان أبرزها التظاهرات المناهضة للنظام في الأعوام الأخيرة.

إلى جانب السخط الشعبي، بدأت الانقسامات داخل أروقة السلطة تزداد وضوحًا، حيث يواجه التيار المتشدد مقاومة من داخل المؤسسات الحاكمة، خصوصًا من بعض القيادات التي باتت ترى أن سياسة التصعيد المستمر قد تعجّل بمواجهة داخلية تهدد استقرار النظام نفسه. فمع تفاقم الأوضاع، قد يجد النظام نفسه أمام معادلة صعبة: إما تقديم تنازلات في السياسة الخارجية لاحتواء الأزمة الداخلية، أو المخاطرة بمزيد من التصعيد الذي قد يؤدي إلى انفجار داخلي غير محسوب العواقب ويمكن أيدن يصل للإطاحة بالنظام الحالي.

الدور الروسي والصيني: دعم غير مضمون وحسابات معقدة

على الرغم من أن روسيا والصين تُعتبران حليفين استراتيجيين لإيران، إلا أن دعمهما ليس مطلقًا، بل تحكمه مصالح براغماتية معقدة، ما يجعل طهران في موقف هش إذا اشتدت المواجهة مع واشنطن.

1 ـ روسيا: دعم مشروط بمصالح موسكو الجيوسياسية

لم تكن العلاقة بين موسكو وطهران يومًا تحالفًا استراتيجيًا متينًا، بل أقرب إلى تحالف الضرورة، حيث تستخدم روسيا إيران كورقة ضغط في مواجهة الغرب، من دون التزام طويل الأمد. ومع تغير الأولويات الروسية بعد الغزو الأوكراني، بات الكرملين أكثر حرصًا على ضمان دعم الصين بدلًا من التورط في صدام مباشر مع واشنطن لحماية طهران. التحول الأهم هو طريقة التعامل الإيجابية من إدارة ترامب مع روسيا وضمان حقوقها وطمأنتها في أي تسوية مقبلة للحرب.

في سوريا، تراجع النفوذ الإيراني بشكل ملحوظ، خاصة مع سقوط نظام الأسد وصعود النظام الجديد المُقرب من تركيا والتحولات في موازين القوى، ما دفع موسكو إلى إعادة ترتيب علاقاتها لضمان بقاء قواعدها العسكرية على المتوسط، بعيدًا من الرهانات الخاسرة. أما على المستوى الاقتصادي، فقد أضعفت العقوبات قدرة روسيا على تقديم دعم مالي أو عسكري لطهران، مما حدّ من استعدادها لمنحها الامتيازات السابقة. في النهاية، تجد إيران نفسها معزولة أكثر من أي وقت مضى، من دون شبكة أمان حقيقية من موسكو، التي تتعامل معها كأداة تفاوض وليس كحليف مضمون.

2 ـ الصين: بين المصالح الاقتصادية والابتعاد عن التصعيد

تتعامل الصين مع إيران كشريك اقتصادي لا كحليف استراتيجي، إذ تبقى علاقتها محكومة بالمصالح التجارية، لا بالتحالفات العسكرية. وعلى الرغم من كونها المستورد الأكبر للنفط الإيراني، فإن بكين تحرص على تجنب أي مواجهة مباشرة مع واشنطن، موازنةً بين شراء النفط الإيراني والامتثال الجزئي للعقوبات الأميركية.

مع تصاعد التوتر الأميركي ـ الصيني، قد تلجأ واشنطن إلى تشديد العقوبات على الشركات الصينية المتعاملة مع طهران، مما سيؤثر على تدفق العائدات النفطية الإيرانية. في المقابل، لا مصلحة لبكين في تصعيد عسكري أميركي ـ إيراني قد يهدد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وهو ما يجعل موقفها من طهران محسوبًا بدقة: تعاون اقتصادي من دون التزام سياسي أو عسكري يعرّض مصالحها للخطر.

في حال التصعيد الأميركي، لا يمكن لإيران أن تعوّل على دعم غير مشروط من روسيا أو الصين. موسكو منشغلة بأوكرانيا، وبكين تخشى أن تؤدي أزمة إيران إلى اضطراب اقتصادي عالمي لا يصب في مصلحتها. في النهاية، تجد طهران نفسها أمام حقيقة قاسية: هي وحدها في هذه المواجهة، وأي تصعيد قد يكون مكلفًا من دون شبكة أمان حقيقية من الحليفين التقليديين.

الدور الأوروبي: المصالح الاقتصادية تحت الضغط الأمريكي

مع تصاعد المواجهة بين واشنطن وطهران، تجد أوروبا، وخاصة فرنسا وألمانيا، نفسها عالقة بين ضغوط الحليف الأميركي ومصالحها الاقتصادية مع إيران. حاولت العواصم الأوروبية الحفاظ على مسار دبلوماسي مستقل لإحياء الاتفاق النووي، لكن التصعيد الأميركي قلّص هامش المناورة، مما أجبرها على التكيف مع نهج أكثر تشددًا.

فرنسا، التي سعت إلى لعب دور الوسيط، باتت أكثر تقاربًا مع واشنطن بعد فشل محاولاتها الدبلوماسية، فيما تتبع ألمانيا نهجًا أكثر حذرًا، موازنةً بين التزاماتها في حلف الناتو ومصالحها الاقتصادية. لكن في ظل العقوبات الأميركية المتزايدة، تفقد أوروبا نفوذها الفعلي في الملف الإيراني، حيث باتت قراراتها رهينة التوجهات الأميركية أكثر من أي وقت مضى.

السيناريوهات المستقبلية: خيارات إيران بين التسوية والانفجار

1 ـ التفاوض المرحلي (احتمالية ضعيفة جدًا): قد تحاول إيران تقديم تنازلات محدودة بشأن تخصيب اليورانيوم مقابل تخفيف جزئي للعقوبات، لكنها ستواجه رفضًا قاطعًا من إدارة ترامب.

2 ـ التصعيد العسكري المحكوم (السيناريو الأكثر ترجيحًا): بناءً على الوضع الإقليمي الحالي، قد تلجأ إسرائيل وواشنطن إلى ضربات عسكرية دقيقة تستهدف المنشآت النووية والمواقع العسكرية الإيرانية.

3 ـ الانهيار الداخلي المفاجئ (سيناريو بعيد المدى): استمرار التدهور الاقتصادي قد يؤدي إلى انشقاقات داخل النظام أو حتى انهياره من الداخل.

المواجهة بين الحسابات الاستراتيجية والمخاطر غير المحسوبة

يكشف التباين بين استراتيجيتي بايدن وترامب اختلافًا جوهريًا في النهج الأميركي تجاه إيران. لكن يبقى السؤال الأهم: هل يمكن تحقيق الانتصار من دون اللجوء إلى الحرب؟ أم أن استمرار الضغوط القصوى سيجعل المواجهة العسكرية أمرًا لا مفر منه؟

في النهاية، يبدو أن الصراع بين واشنطن وطهران لن يكون مجرد نزاع سياسي، بل اختبار لقواعد القوة الجديدة في العلاقات الدولية.

إقرأ أيضًا

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل