
الطريقة التي يتمّ فيها اتّهام شخص بقبوله مبدأ ما لمجرد رفضه لنقيضه، تُعرف باسم “مغالطة الثنائية الزائفة False Dichotomy” أو “المعضلة الكاذبة False Dilemma”، وهي تقع في حالة النّقاش بين فريقين مختلفين يقدّم كلّ منهما خيارين مختلفين على أنّهما الاحتمالان الوحيدان؛ وذلك على الرغم من وجود خيارات أخرى قد لا تكون مطروحة في لحظة النّقاش، وبمجرّد رفض أحد الخيارين من قبل أحد طرفي النّقاش، يحسم الآخر بأنّه قبل بالرأي النقيض تلقائيًّا، وهذا ما لا يكون صحيحًا، وقد يكون هذا الطرف رافضًا للرأيين المطروحين للنقاش أساسًا.
فرفض التديّن لا يعني القبول بالإلحاد. مع العلم أن هنالك مواقف فلسفية أخرى من مثل اللاأدرية. وعدم تأييد حركة ح في صراعها الوجودي مع الإسرائيلي، لا يعني القبول بما قامت به إسرائيل بحقّ الشعب الفلسطيني. كما أن عدم السير بمشروع منظمة “الحزب” والخضوع لتفاهمات معه، على غرار ما قام به التيار الوطني الحر في 6 شباط 2006، لا يعني إطلاقًا الوقوف بالصفّ الإسرائيلي.
فهذه المسألة تستعملها التيارات السياسية التي لا تولي المبدأ السياسي أي قيمة، بهدف دفع الناس إلى تبني موقفها خشية اتّهامها بتأييد نقيضه، وهذا ما نجح به التيار الوطني عندما رفع شعار استعادة حقوق المسيحيين مثلًا. فرفض أيّ عاقل لهذا المبدأ يعتبره التيار أنّه يريد نقيض مطالبه، وبالتّالي تتعزّز فرضيّته للتهجّم على خصمه السياسي أكثر، وهكذا يحقّق النجاح بخداع العقل الضعيف على حساب كرامة النّاس ومبادئها لأنّه باع المبدأ وقرر العمل على خداع العقل البشري.
من أبرز الذين ناقشوا هذه النظريّة هو أرسطو في كتاب الخطابة ” Rhetoric”، حيث تحدّث عن أهمية تقديم حجج لا تعتمد على افتراضات ثنائيّة خاطئة، وكلّ الذين اعتمدوا هذه التقنية الخطابيّة نجحوا لأنّهم امتلكوا المنطق الأرسططاليسي. فلقد استخدم الفلاسفة اليونانيون مثل أفلاطون وأرسطو في كتاباتهم، طرقًا مشابهة لعلم النفس العكسي، وبخاصّةٍ في محاورات أفلاطون، حيث كان سقراط يستخدم الطريقة السقراطية لدفع الأشخاص إلى تبني آراء مخالفة لما كانوا يعتقدونه في البداية.
فما يستمرّ بالقيام به رئيس التيار اليوم جبران باسيل، هو دفاعه عن بقائه خارج الحكومة ليكتسب العطف الجماهيري، عارضًا نفسه الحمل الوديع الذي يحمل الحقيقة المطلقة، ويبرّر ذلك بخوف الآخرين من حرّيّة قراره. فبالتّالي، من يرفض هذه المقولة يستطيع هو وتيّاريّوه القول عنه بأنّه غير حرّ ومرتهن لسياسات العهد الجديد، ويتمكّن عندها هذا النّهج من اجترار منظومة الـ2005 في الكلام السياسي الخدّاع الذي سقط اليوم بالممارسة والتجربة.
ولقد نجح عالم الألسنيّة الشهير نعوم تشومسكي في تحليله لوسائل الإعلام، بتفصيله كيفيّة دفع الناس إلى قبول خيارات معينة عبر التلاعب بالثنائيّات الزائفة. يبدو أنّ باسيل غير مدرك اليوم أنّ هذه الثنائيّات قد أسقطها هو نفسه بنفسه بالممارسة. فما كان صحيحًا قبل سقوط جبروت منظمة “الحزب” التي باعها نفسه ومبادئه هو وعمّه بثلاثين من الفِضَّةِ قد سقط معها على الفَضَّةِ الحرّة الشاهقة كفِضاضِ جبال لبنان التي لم يكسرها خداع المقدّم سالم ولا خيانة إبن الصبحا.
هذه المغالطة التي نجح هذا الفريق باستخدامها في النقاشات الجدلية، السياسية، والإعلامية، غالبًا ما أدّت إلى تضليل الجمهور وإجبار الأفراد على اتخاذ مواقف لم يختاروها فعليًّا. لكنّ اليوم بعدما انقشعت غيوم ريائهم وخداعهم عن شمس الحقيقة، عادت لتسطع في سماء الفكر من جديد تلك الحقيقة الكيانيّة للفكر الوجودي الحرّ القائم على المبدأ السياسي لا على المصلحة النفعيّة والفكر الماركنتيلي.
ولم يكتفِ هذا الفريق السياسي فقط بممارسة المغالطة هذه على النّاس عامّة، بل مارس ما هو أقذر منها بكثير على أتباعه. فهو أقنعهم بأنّ الرأي الذي يفرض عليكم من قبل الآخرين يحتّم عليكم الثورة والانتفاضة ضدّه لأنّكم أحرار. وهذا ما سبق وأشار إليه فريدريش نيتشه في كتابه “ما وراء الخير والشر Friedrich Nietzsche, Beyond Good and Evil 1886″، حيث إنّ بعض الأفراد عندما يُفرض عليهم رأي معين، فإنهم يسعون إلى معارضته من أجل تأكيد استقلاليتهم. وهذه الفكرة تعدّ حجر الأساس في علم النفس العكسي، وهذا ما نجح بممارسته على أتباعه فدفعهم إلى التمرّد على الأبيض الذي اقتنعوا بأنّه أسود. انطلاقًا من نظرية “علم النفس العكسي Reverse Psychology”.
وهذا الأسلوب يعتمد على مبدأ المقاومة النفسية ” Psychological Reactance” الذي اقترحه عالم النفس جاك بريهم ” Jack Brehm” العام 1966، حيث أشار إلى أن الأفراد يميلون إلى مقاومة التوجيهات المباشرة إذا شعروا أنها تهدّد حرّيتهم في الاختيار. وهذا ما يمكن أن يعزّز الرغبة من خلال قمعها بحسب نظريّة عالم النّفس سيغموند فرويد
” Sigmund Freud. The Ego and the Id 1923″ حول الدفاعات النفسية وعلم النفس العكسي.
أمّا إيريك فروم ” Erich Fromm, Escape from Freedom 1941″، فيشرح في كتابه “الهروب من الحرية 1941” كيف أنّ البشر قد يرفضون توجيهات معينة بدافع الرغبة في تأكيد استقلاليتهم، حتى لو كان هذا ضدّ مصلحتهم. وهذا ما كان يمارسه الرئيس السابق ميشال عون على مناصريه ليدفعهم إلى اتّخاذ المواقف المتهوّرة والمتطرّفة ضدّ خصومه تأكيدًا للقناعات التي نجح بإيهامهم بها.
مقابل ذلك، تحدّث أدولف هتلر في كتابه “كفاحي، Adolf Hitler, Mein Kampf 1925″، عن أهمية جعل الأعداء يعتقدون أنهم يسيطرون، بينما يتمّ دفعهم سرًّا إلى اتّخاذ قرارات تصبّ في مصلحة الحزب النازي. وهذا المبدأ نفسه استعمله هذا الفريق محاولًا إظهار قرارات مَن عارضهم، حتّى وهو في قلب السلطة، بأنّها استجابة لممارسته الضغوط السياسيّة والمواقف التي اتّخذها.
وها هو اليوم يستعمل استراتيجيّة التصريحات المحبِطة لتحفيز مناصريه على المقاومة تمامًا كتلك التي استعملها رئيس وزراء بريطانيا ونستون تشرشل خلال الحرب العالمية الثانية، لتحفيز البريطانيين على المقاومة. Winston Churchill, The Second World War (1948).
كذلك الزعيم السوفياتي الشيوعي ستالين استخدم الدعاية المعاكسة لدفع المواطنين إلى الالتفاف حول الحزب الشيوعي، عبر تقديم صورة زائفة عن تهديد خارجي. وهذا ما يعمد إلى استعماله اليوم جبران باسيل حيث يضع نفسه دومًا تحت مقصلة التهديد الخارجي مستعملًا العقوبات المفروضة عليه لاستدرار العطف السياسي.
كما أنّ الحركة الصهيونية التي يفاخر بانتقادها قد استخدمت علم النفس العكسي لدفع القوى الكبرى إلى دعم إنشاء دولة إسرائيل عبر تصوير اليهود على أنهم يرفضون التنازلات، مما أدى إلى منحهم مزيدًا من الامتيازات. فهو يستعمل التقنيّة الصهيونيّة نفسها في محاولة منه بإظهار نفسه وتيّاره بأنّهم يرفضون التنازل والخضوع لهذا العهد الجديد ليحصل على المزيد من الامتيازات الجماهيريّة ليصرفها في الاستحقاقات الانتخابيّة القادمة، سواء في انتخابات الاختياريّة والبلديّة في أيّار الـ2025 أو في الانتخابات النيابيّة في أيّار الـ2026.
في المحصّلة، إنّ علم النفس العكسي هو أداة قوية في الفلسفة، وعلم النفس، والسياسة. يعتمد على إثارة مقاومة الفرد ضدّ التوجيهات الصريحة، ممّا يدفعه إلى اتّخاذ قرارات تخدم مصلحة الطرف الآخر دون أن يدرك ذلك. عبر التاريخ، استخدم الفلاسفة، والقادة، والأحزاب هذه التقنية لتحقيق أهدافهم بفعالية. لكنّ ذلك نجح عندما كانت ثقافة النّاس السياسيّة محدودة، أو عندما كانت قدرة المواجهة ضعيفة لاعتبارات اضطهاديّة ترهيبيّة أو حتّى ترغيبيّة.
لكنّ اليوم، زمن الأوّل قد تحوّل. وهذا ما يؤكّد أنّ الحركة العونيّة عبر التاريخ المعاصر لم تكن يومًا فكرًا سياسيّا بل كانت فقط مجرّد طريقة في التفكير. وهي نهج يميّز النّاس، حتّى الذين لا يفقهون بالسياسة. وحتى الذين تحالفت معهم هذه الحركة قد سقطوا بدورهم نتيجة خياراتهم الاستراتيجيّة الخاطئة التي ساروا بها عكس منطق التّاريخ.
فالأمل قد يسقط أمام المحن. لكنّ الرّجاء يتضاعف عند مواجهتها. ونحن أبناء الرّجاء، نصنع الأمل انطلاقًا من قناعاتنا الإيمانيّة بثالوث النّور والكلمة والحياة. قولوا وداعًا للزمن الجميل فاليوم الآتي هو الأجمل.
