.jpg)
قال يسوع: “من أراد أن يتبعني، فليزهَدْ في نفسه ويحمل صليبه كل يوم ويتبعني” (لوقا 23:9). وفي رواية أخرى في الإنجيل جاءَه رجل مرّة وسأله: “أيها المعلّم البرّ، ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية”؟ فأجابه: “أنت تعرف الوصايا: لا تقتل، لا تزنِ، لا تسرق، لا تشهد بالزور، لا تظلم، أكرم أباك وأمك”. فقال له: “يا معلّم، هذا كلّه حفظت منذ صباي”. ويقول الإنجيل إن يسوع عندئذ حدّق إليه فأحبّه وقال: “واحدة تعوزُكَ: اذهب فبعْ كلّ شيء تملك وتصدّق بثمنه على الفقراء، فيكون لك كنز في السماء، وتعال احمل صليبك واتبعني” (مرقس 17:10-21).
يظهر أن لا مفرّ من حمل الصليب، بل حمل صلبان، إذا أردنا أن نتبع المسيح ونعيش بالقرب منه. إن طريق الصليب هي وحدها طريق الحياة الأبدية. وكل قدّيس في التاريخ وكل مسيحي تبع المسيح وعاش بقربه يشهد على صحة هذه القاعدة. يظهر أنه لا يمكن أن نعرف المسيح، أعني، أن نعرف روحه ونعمته وقوته وقيامته، إلّا بالألم والأمانة، إلّا بالسير على درب الصليب.
أقول القيامة، والقيامة هنا تعني أمرَين: الأمر الأول قيامتنا كل يوم في أثر الصمود والكفاح والغلبة. فمَن لا يعرف نشوة الظفر، فرح الانتصار، القوة الهائلة الناجمة عن تحمّلنا الألم، عن صبرنا على الصلبان التي سمح المسيح بأن نحمل، عن عدم تهرّبنا منها وعدم يأسنا من رحمة الله، عن رسوخنا في الرجاء، مَن لم يهبه الله هذه الخبرة الكيانية العظيمة في حياته، لا يعرف شيئًا من قوة المسيح وثقته ومعنى انتصاره، بل لا يعرف المسيح. في هذا النطاق الشخصي الكياني فقط يوجد المسيح أول ما يوجد. ومن يختبر هذه الحالات كل يوم ـ الصمود، الوقوف، عدم الهرب، المجابهة، الصبر، الرجاء – مَن يختبرها في وجه التجارب، في وجه الإغراء، في وجه الضعف، بل وفي وجه السقوط، يعرف مغزى وجود يسوع المسيح في النفس، وبالتالي يعرف المسيح.
أما معنى القيامة الثاني، فهو بالطبع القيامة الأخيرة الموعودة؛ أقول الموعودة، لأن يسوع المسيح قد قام من الأموات بالفعل وصار باكورة الراقدين.
ليست القيامة الأولى اليومية سوى رسم أو تذوّق مسبق للقيامة الثانية الأخيرة. الأولى نعيشها بالخبرة الشخصية الأكيدة، أما الثانية فنعيشها، ونحن بعد في قيد الحياة، بالإيمان والثقة بوعد المسيح، وبالتعليم الذي تُعلّمنا إياه الكنيسة، هذا الجسم الحيّ، جسم يسوع المسيح، الجسم الذي نحبّ وننتمي إليه ونحيا من الحليب الروحي الذي رضعناه منه بمئات الوساطات والألوان، ونرضعه منه كل يوم.
ها هي بعض الصلبان التي يطلب إلينا المسيح أن نحمل في غير تبرّم ولا تذمّر، إذا أحببنا أن نتبعه ونكون معه ونختبر القيامة في حياتنا كل يوم، ونتوقع القيامة الأخيرة في رجاءٍ عامر.
•••
إن الصليب الأول ضبط النفس. إنه صليب ثقيل، لأن ضبط النفس من أصعب ما تستطيع أن تتحمّله طبيعتنا البشرية. ولكن إذا الحياة، أيًا كانت، وكانت حالُنا في عملية الضبط هذه حال صلاة داخلية حقيقية، أعني، حال مثول صادق أمام المسيح وتلمّس منكسر لرحمته ونعمته، فأؤكد أننا نحظى بالقيامتَين. نشوة الظفر الهائلة في أثر الانضباط الروحي الداخلي الصبور، ورجاء القيامة الأخيرة بالمسيح من جرّاء خبرتنا الروحية اليومية المباشرة هذه القيامة الأولى. إن ما أقوله هنا أبعد ما يكون عن مجرّد كلام أو مجرّد خيال أو مجرّد تمنٍ؛ إنه حياة وفعل وواقع وخبرة ووجود. وهو أيضًا شهادة القدّيسين عبر التاريخ الذين قبلوا أن يفرضوا على أنفسهم إماتة ضبط النفس بفرح كبير، ولو بصعوبة وصراع دائمَين، حبًّا للمسيح ونزولاً عند إرادته وثقة منهم بأنه لن يتخلّى عنهم في محنهم. “أضبط نفسك واتبعني”، هذا صليب يطلب إلينا المسيح أن نحمله إذا أحببنا أن نعيش بقربه ونعرف نعمته.
•••
وثمة صليب آخر هو تحمّل الاضطهاد. هذا أيضًا من أثقل الصلبان، لا سيما في هذه الأيام حين يضطهد المسيحي، كمسيحي، حتى في البلدان التي تُسمّي نفسها أو تُسمّى مسيحية، فضلاً عن البلدان التي نصّبت نفسها رسميًا، بفعل سياسة مخططة مرسومة، لمقاومة المسيح ومحو آثاره كلّها وصلبه كل يوم. في وجه هذا الاضطهاد العارم في كل مكان، كم نستحيي من مسيحيتنا، كم نُخفيها، كم نلطّف من حدتها، كم نتنازل عن الكثير في حياتنا وفي عقيدتنا، كم نُجري تسويات وتكييفات، كم ننسحب من معركة الصمود، كم نبرّر هذا الانسحاب، كم نلجأ لألف حيلة وحيلة بقصد التهرّب والتغطية كي لا نعرّض أنفسنا للاضطهاد. بإمكاني أن أشرح مئات المظاهر التي يُضطهد فيها المسيحي اليوم في العالم كلّه، في الخفية وفي العلن، ومئات التنازلات والإرضاءات، في الفكر والحياة والتصرّف وحتى في العقيدة، التي يقوم بها بعضهم ليوفّروا على أنفسهم صليب الاضطهاد. لكني أعرف ما أقول حين أقرّر أن مَن لا يخشى هذا الاضطهاد ومن يتقبّله بثقة وفرح، لأن المسيح يأمر بهذا التقبّل، يُجازي بالقيامتَين اللتين ذُكرتا: نشوة الظفر بالمسيح في وجه الاضطهاد وفي أثر عبوره، والتثبّت المسبق من القيامة الأخيرة بالمسيح.
يقول بطرس في رسالته الأولى: “افرحوا بقدر ما تشاركون المسيح في آلامه، حتى إذا تجلّى مجده كنتم في فرح وابتهاج، طوبى لكم إذا عيّروكم من أجل إسم يسوع، لأن روح المجد، روح الله، يستقرّ فيكم. لا يكوننَّ فيكم من يتألم ألم قاتل أو سارق أو أثيم أو متطفّل، ولكنه إذا تألم لأنه مسيحي فلا يخجل بذلك وليمجّد الله على أنه يُدعى بهذا الإسم… إن الذين يتألمون كما شاء لهم الله، فليستودعوا الخالق الأمين نفوسهم مثابرين على عمل الخير”. لنتأمل هذا الذي قاله بطرس بصفاء وعمق. ولنتأمل معه كذلك ما قاله يوحنا في رؤياه: “لا تخف ما ينتظرك من الآلام… فكن أمينًا حتى الممات، وأنا أعطيك إكليل الحياة”. وما قاله يعقوب: “طوبى للرجل الصابر على المحنة. سيخرج مزكّى فينال إكليل الحياة الذي به وعد الرب من يحبّونه”. وما قاله المسيح ذاته: “طوبى للمضطهدين على البرّ فإن لهم ملكوت السموات. طوبي لكم، إذا شتموكم واضطهدوكم وافتروا عليكم كل كذب من أجلي، إفرحوا وابتهجوا: إن أجركم في السموات عظيم”.
هذه الأقوال كلّها من أعمق وأصدق ما قيل. تحتوي على أقدس الأسرار. تستحق التأمل الهادي المتعجّب المحبّ. وهي أيضًا ليست مجرّد كلام أو تخيّل. يكفي أن قالها المسيح، يكفي أن قالها الرسل. إنها حياة ووجود وحق. “تحمّل الاضطهاد”: هذا صليب يطلب إلينا المسيح أن نحمله إذا أحببنا أن نتبعه ونعيش بقربه ونعرف نعمته وخلاصَه.
•••
وثمة صليب ثالث يطلب إلينا المسيح أن نحمله، وهو تحمّل أوضاع سياسية واجتماعية واقتصادية مؤلمة جدًا. إن هذا الخلل السياسي الأليم الذي لا نشاهده في لبنان فحسب، بل في العالم كلّه، هذا الظلم الاجتماعي الصارخ الذي لا نعيشه في لبنان فحسب، بل في العالم كلّه، هذا الجَورْ الاقتصادي الباهظ الذي لا نعانيه في لبنان فحسب، بل في العالم كلّه، هذه كلها صلبان ثقيلة يجب أن نجابهها بكل جرأة، وإذ نتحمّلها ونعانيها يجب ألّا تبعدنا عن المسيح أو تكفّرنا به، بل يجب أن نتبعه بأمانة في وسطها وعلى الرغم منها. يكاد الإنسان يكفر تمامّا في وجه الظلم والاستهتار والجشع والفساد، لكن المسيح بهدوئه وسلطته يطلب إلينا أن نصمد في الإيمان به ولا نكفر في وجه هذه، ولا حتى في وجه أكبر منها.
إن كل هذا لا يعني مطلقاً أننا لا نفعل ما في وسعنا للتغلّب على هذه الأوضاع، غير أن المطلوب أن نبقى بالقرب من المسيح وأن نتبعه في كل محاولاتنا للتغلّب عليها، لا سيما إذا فشلنا وخاب أملنا، ولم نتمكّن من التغلّب عليها. إن الأمر الحاسم في حياة المسيحي هو يسوع المسيح ذاته، وليس فساد العالم بألوانه التي لا تُحصى. إن المهم ألّا يدبّ أي يأس في نفوسنا في ما يخصّ حقيقة المسيح ومعناه في التاريخ وفي حياتنا، بسبب أي شرّ في المجتمع، وبسبب عدم تمكّننا من معالجة هذا الشرّ معالجة جذرية.
لقد قَبِل الشر والظلم وما فوقهما وأهمّ منهما، وإذا قضينا حياتنا كلّها في التركيز عليهما وفي محاولة إصلاحهما، فكأننا نعبدهما ولا نعبد المسيح. لنحمل صليب فساد العالم ونتبع المسيح، مستمدّين منه القدرة والعون في كل محاولاتنا إصلاح هذا الفساد. إن هذا بالطبع حمل ثقيل، لكن جزاء حمله بالقرب من المسيح ومع المسيح الذي حمله قبلنا والذي سُمّر على الصليب بسببه، ما يعطيناه يسوع المسيح ذاته من الفرح والقوة والانتصار. وبهذَين الحِمل والعطاء نختبر القيامتَين اللتين ذُكرتا: قيامة معرفتنا فعل الروح القدس في حياتنا الآن، وقيامة تثبّتنا من وعد المسيح الصادق بالقيامة الأخيرة. أما الذين يعبدون المخلوق من دون الخالق، ولا يفكرون إلا في المخلوق، ويظنون أن باستطاعتهم تغيير العالم إلى حالة الكمال، فليسمعوا ما قاله يوحنا في رسالته: “لا تحبّوا العالم وما في العالم. من أحبّ العالم فليست محبة الله فيه. لأن كل ما في العالم، من شهوة الجسد وشهوة العين وكبرياء الغني، ليس من الآب بل من العالم. العالم يزول ومعه شهواته، أما مّن يعمل بمشيئة الله فإنه يبقى مدى الأبد”.
“احمل فساد العالم واتبعني”: إن هذا صليب باهظ، لكن المسيح وحده يكفي، ومنه وبه فقط نُصلح ما أمكننا إصلاحه.
من كتاب “به كان كل شيء” شهادة مواطن
كتبت “المسيرة” ـ العدد 1761
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]