
لطالما روّج المنتفعون من الفوضى وغياب الدولة، أخبارًا وسرديات مغلوطة عن المارونية السياسية، ضاربين بعرض الحائط كل الخطوات التي أنجزت حينها في ركب بناء الدولة. إذًا، من الخطأ الشائع تسمية الواقع السياسي في لبنان بين 1943 و1990 بـ”المارونية السياسية”، إنما تسميتها الحقيقية هي “المارونية الحضارية”، فالقرار السياسي لم يكن وفق ميثاق العام 1943 حكرًا على الطبقة السياسية المارونية فقط، بل كان توافقيًا يؤخذ بالإجماع بين المسيحيين والمسلمين ككل.
المارونية السياسية كانت، للأسف، شمّاعةً استخدمها بعض سيئي النيّة لنزع الامتيازات السياسية المارونية، بغية تخريب استقرار لبنان وضرب ديموقراطيته وتحويل نظامه إلى نظام خشبي مكبّل بالسلاسل متل الأنظمة الديكتاتورية التي تحيط بنا.
وأكثر من ذلك، انكبّت السلطة السياسية بقيادة الرؤساء الموارنة مثل بشارة الخوري وكميل شمعون وفؤاد شهاب وشارل حلو، ومعهم كوكبةٌ من الزعماء المسلمين اللبنانيين الوطنيين المحبيّن للازدهار والاعتدال والحرية، على الانخراط في تطوير الأبعاد الثقافية والحضارية والاقتصادية والإنمائية والسياحية في لبنان، فأنبتت براعم زرعهم هذا “سويسرا الشرق”، والزمن الجميل، والبحبوحة المالية، والنهضة الثقافية والعمرانية والصناعية، وهو مسار كانت المارونية الحضارية قد بدأته منذ مدرسة روما المارونية في العام 1584، مرورًا بمطبعة قزحيا، ولاحقًا مع الرهبانيات اللبنانية، والأدباء والمفكرين روّاد النهضة والصحافة واللغة العربية في الشرق، من المعلم بطرس البستاني، وناصيف اليازجي، وميخائيل نعيمة، وجبران خليل جبران، وصولاً إلى شارل مالك وفؤاد افرام البستاني وهلّم جرًا… وحبذّا لو استطاعت المارونية الحضارية بالاشتراك مع كل اللبنانيين المحبيّن للسلام والازدهار من تحويل سويسرا الشرق سياحيًا واقتصاديًا وإنمائيًا، إلى سويسرا الغرب سياسيًا وعسكريًا وأمنيًا، غير أن الاقتصاد والازدهار في لبنان مرتبطان ارتباطًا وثيقًا بالسياسة، لذلك استطاع نظام الأسد البعثي، مستخدمًا الفصائل الفلسطينية، من إسقاط سويسرا الشرق حضاريًا، ومنع قيام سويسرا الغرب سياسيًا وعسكريًا، مشعلاً حرب “الوطن البديل” ورمي اللبنانيين في البحر في العام 1975، ثم جاء محور الممانعة بعد العام 1990 فاحتكر كل الطائفيات السياسية بمفرده موصلاً لبنان إلى ما هو عليه اليوم.
“المارونية الحضارية” حقيقة، أما ما دأب على تزوره البعض عنها فهو Fake حتمًا!
