#dfp #adsense

“قشلة” العثملِّي صارت أيقونة تراثية

حجم الخط

السراي الكبيرالسراي الكبيرالسراي الكبيرالسراي الكبيرالسراي الكبير

هناك، على تلة من تلال بيروت، يربض تاريخ عريق وتحفة عمرانية في نقطة استراتيجية تطلّ على وسط العاصمة وامتدادًا حتى البحر. متباهيا بنفسه كأجمل وأقدم المباني الصامدة منذ الحقبة العثمانية، هناك على تلك التلة، يرتفع مبنى السراي الحكومي اللبناني. جدرانه وحجارته وأروقته “تنبض” بتاريخٍ يروي تاريخًا، عن حقبات وأزمنة وعهود، عن مراحل عزّ وازدهار، عن مراحل اندحار ودمار، عن صرح عثماني عريق، صار سراي حكوميًّا، تعمَّر وتهدَّم وترمَّم، وأُعيد ترميمه أكثر من مرة حتى أصبح  واحدًا من أجمل المقرَّات الحكومية والرسمية في العالم… هو السراي الكبير، أيقونة العمارة والتاريخ والتراث في لبنان بلا منازع. كيف صار مقرًّا للحكومات اللبنانية المتعاقبة؟

مئات المجلّدات لن تكفي لوصف عراقة ذاك الصرح وجماله، ولسرد أحداث صنعت مجده وحولته الى مقرّ للحدث اللبناني والشاهد الأكبر على تطوّرات وانقلابات شهدها لبنان منذ ما قبل الحرب العالمية الأولى وحتى أيامنا.

في رحاب ذاك السراي، الرهبة والدهشة لن يفارقانك، فعلى مساحة 21 ألفًا و480 مترًا مربعًا، يتمدد صرح تراثي خلّاب يعود الى العام 1820، شُيّد على مراحل عدة، لتختال وتتمازج بين ثنايا هندسته المبهرة بصمات عهود وفنون تبدأ بالعثماني مرورًا بالأوروبي فالعربي واللبناني، ليستحق عن جدارة إدراجه على قائمة الجرد العام للمباني التاريخية، كيف صار له كل ذاك العزّ؟

 

ربوة “خطيرة” خلبت لبّ “العثملي”

تخطفنا حكاياته الى أيام  كان “العثملي” محتلًا لديارنا، وتقول إنه حيث تشمخ “سرايانا” اليوم، كان هناك تلة يطلق عليها إسم “الربوة”، وكانت تُعتبر أجمل تلال بيروت، فخلبت لبّ العثمانيين وارتأوا أنها تشكل موقعًا استراتيجيًا وأمنيًا ممتازًا لإنشاء مبنى يكون مقرًا لأجهزتهم العسكرية، فتربصوا بها، وأوكلوا الأمر فورًا الى مهندسين لبنانيين للمباشرة ببنائه، وارتفع المبنى على تلك التلة، ليُطلق عليه البيارتة إسم “القشلة”، وهي كلمة تركية وتعني بالعربية “الثكنة” أي مقر العسكر.

وهكذا، وعلى تلك “الربوة” الخلابة و”الخطيرة” التي وُصفت بأنها “تصلح لأن تكون استحكامًا يخوّل من يسيطر عليها أن يسيطر بالتالي على المدينة نفسها بكامل مناطقها وامتداداتها”، ارتفعت القشلة العثمانية بطابق واحد، لكن موقعها الاستراتيجي جعلها مشرفة على المدينة كلها، لتبرز كأضخم المعالم العمرانية في بيروت العثمانية، والتي يمكن رؤيتها من عرض البحر كما من الضواحي.

بعد عقد من الزمن، بدأ هذا المقر يتوسّع تدريجيًا، ليُضاف إليه عام 1899 طابق جديد يعلوه سقف من القرميد الأحمر أكسبه جمالًا وإبهارًا، وساهم إلى حد كبير في إبراز عظمته معطيًا السراي شكله النهائي.

 

من “القشلة” إلى “السراي الكبير”

دور “القشلة” ما اقتصر على إيواء العسكريين في الحقبة العثمانية، لتتحوّل مع إعلان ولاية بيروت عام 1880 إلى مركز للوالي العثماني، وبدأ إسم “القشلة” يتحوّل تدريجيًا إلى “سرايا الولاية”، ثم أُطلق على المبنى إسم “السراي الكبير” لتمييزها عن “السراي الصغير” الذي كان في ساحة البرج.

ويروى أنه منذ ذاك، بدأت هذه التلة تجتذب أعيان بيروت، وخصوصًا منطقة زقاق البلاط المجاورة، فسارعوا لبناء منازلهم بالقرب منها، ليصبح محيط ذاك السراي مجمعًا فاخرا لبيوت الأعيان والعلماء وكبار الموظفين.

 

غاب “السراي” وحلّت “المفوضية العليا”

غادر “العثملي” بيروتنا في أيلول 1918، وبعد يوم واحد فقط، يخبرنا كتاب التاريخ، أُنزل العلم العثماني عن السراي الكبير لتنطلق مرحلة سياسية جديدة في لبنان، دُشنت باحتفال سكان بيروت برفع راية الثورة العربية ذات الألوان الأربعة، الأبيض والأخضر والأحمر والأسود، على السارية المنصوبة فوق مدخل السراي.

لكن راية الثورة العربية فوق السراي سرعان ما أُنزلت، فالجيش الفرنسي احتل بيروت بعد أيام، وعُيِّن حاكمًا عسكريًا للبلاد وأنزل العلم العربي، لتتحوّل السراي إلى مقرّ للحاكم الفرنسي الذي أُعطي لقب “المفوض السامي” لحكومة فرنسا في دول الشرق. وبذلك غاب إسم “السراي الكبير” ليحل مكانه إسم “المفوضية العليا”.

وما اكتفى الفرنسيون بذلك، ففي عام 1926، أدخلوا بعض الإضافات على الواجهة الشمالية للبناء، واستبدلوا شرفة تحوطها قناطر تعلو المدخل المزخرف، بباب قنطرة المدخل الشمالي الذي نُقل إلى المدخل الجنوبي. وصارت الشرفة الجديدة بمثابة لوجيا يطل منها المفوض السامي أو رؤساء الحكومات لإلقاء خطبهم وكلماتهم أمام المحتفلين أو المتظاهرين.

 

إعلان الجمهورية اللبنانية

وعلى أيام الانتداب الفرنسي، شهد ذاك السراي حدثًا لبنانيًا كبيرًا، فمن على شرفته، تم إعلان الجمهورية اللبنانية عام 1926، وبين جدرانه كانت تُعقد الاجتماعات الرسمية التي كانت تعقب تأليف الحكومات اللبنانية في عهد الانتداب.

وظلً السراي الكبير المقرّ الرسمي للحاكم الفرنسي، من الجنرال “غورو” إلى “هللو”، وحتى نيسان 1941، تاريخ تسلّم الحكومة اللبنانية التي كان يرأسها سامي الصلح، عددًا من المصالح التي كانت بيد الفرنسيين، وبينها السراي الكبير.

وهو التاريخ يسجل بأن الشيخ بشارة الخوري، أول رئيس للجمهورية اللبنانية في عهد الاستقلال، كان أول من اتخذ السراي الكبير مقرًّا له قبل أن ينتقل إلى قصر القنطاري في وسط بيروت الذي أصبح مقرًا للرئاسة، وليصبح بذلك السراي الكبير مركزًا لحكومة رياض الصلح، وليكرّس مقرًّا رسميًا دائمًا لرؤساء الحكومات المتعاقبة… الى أن حلّت علينا تلك الحرب المشؤومة، وهجّرت رئاسة الحكومة من عقر دارها.

 

الحرب تغلق “السراي”

كان ذلك في العام 1976، الحرب الأهلية تجتاح لبنان، وما وفرت شظاياها ذاك “السراي الكبير”، انهمرت عليه القذائف من كل حدب وصوب، وشبّت فيه الحرائق وأتت على معظم أجزائه باستثناء طابقه الأرضي وجدرانه الخارجية، ما دفع رئاسة الحكومة للانتقال إلى مبنى الصنائع، تاركة وراءها سراي “حزين” مهجورًا يبكي ماضيه.

ولن تصدقوا ما حلّ به، هذا المعلم التاريخي الكبير الذي كان ينافس أهم المعالم التراثية في فرساي وروما ولندن، صار جزء منه تحت إدارة وزارة الداخلية، ليتحوّل طيلة فترة الحرب الى مقرّ للنافعة والميكانيك وأشبه بمرآب للسيارات. واستمرت النافعة مفترشة أرضه لحين انتهاء الحرب عام 1991، وانطلاق خطة إعمار بيروت على يد الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ليسترد معه السراي العريق أنفاسه مستعيدًا عزّ أيامه.. وهنا قصة جديدة تتردد أصداؤها في كل زوايا وأروقة ذاك الصرح التاريخي، قصة عشق الحريري لذاك السراي.

 

عشق الحريري يُنقِذ السراي

الرجل الكبير، أبدى منذ تسلّمه سدة رئاسة الحكومة اهتمامًا كبيرًا ولافتًا باسترجاع مكانة ذاك السراي، تمهيدًا لعودة الحكومة الى دارها الأصيل، وإعادته إلى سابق عهده، قيمة تاريخية وسياسية وإدارية لبيروت خصوصًا ولبنان عمومًا. وما كان الأمر سهلًا، لكن إصرار وإرادة الحريري لإعادة إعماره كانا أقوى من كل ذاك الدمار والخراب والمعارضة لمشروعه.

كان ذلك عام 1995، حين انطلق مشروع إعادة تأهيل السراي بكلفة ناهزت الـ47 مليون دولار، فارتفعت السقالات حوله معلنة بدء الترميم بإشراف مجلس الإنماء والإعمار، مستلهمًا ملامح ترميمه من الداخل، من مكوّنات قصري بيت الدين والأمير أمين. أما الشكل الخارجي، فكان حرص كبير على إعادته كما كان، مزيجًا بين الفنون العثمانية والأوروبية واللبنانية والعربية، لتبقى جدران السراي وزخرفاته شاهدًا على تاريخه.

وتروي مصادر في السراي واكبت تلك المرحلة، أن الرئيس الحريري اتخذ عملية إعادة تأهيل السراي على عاتقه، وأشرف بنفسه على أدق تفاصيلها، حجرًا حجرًا، وما كان ليتردد في الإشراف والتدخل وإعطاء ملاحظاته وتوجيهاته، في نوع البلاط، الأبواب والنوافذ وحتى مسكاتها، في كل عمود وقنطرة، وأن آراءه تلك أدت الى بعض التعديلات بخطط المهندسين المكلفين ترميم السراي، “كان مسكونًا بهاجس استعادة ألق هذا الصرح وجماليته بما يتناسب وتاريخه العريق”، وكان له ولبيروت ولبنان كل هذا…

استغرق تنفيذ هذا الصرح المتربع على أرض مساحتها 21 ألف و480 مترًا مربعًا والمزيّن بالفنون الشرقية واللبنانية، والمزخرف بستمائة وثلاث قناطر، 900 يوم عمل، بنى خلاله 34 مهندسًا لبنانيًا و1150 فنيًا وعاملًا، 39,700 مترًا مربعًا موزعة على ثلاثة طوابق وبناءٍ سفلي والطابق التقني تحت ثكنة القرميد.

 

التراث يلاقي العصرنة

بعد ثلاث سنوات، كان الخبر السعيد، اكتملت عملية بناء وترميم السراي الحكومي، ليعود أيقونة حوّلته من مبنى متهالك الى أحد أجمل الصروح العمرانية في لبنان والعالم العربي، من خلال «خطة عمل طموحة هدفت للوصول بالمبنى إلى النموذج المعماري الذي تلتقي فيه الوظيفة الحديثة للإدارة بالطابع التاريخي والتراثي وإضافة التقنيات اللازمة التي تؤهل الإدارات التابعة لرئاسة مجلس الوزراء أن تعمل وفق النظم والمعايير العصرية”.

ومع حفاظه على معالمه التراثية التي تميّزت بالأبهة والضخامة بكل ما ضمّه من سقوف وقناطر وقاعات داخلية وأروقة جمعت بين الأناقة والفخامة، ليتوّجها سقف قرميدي ساحر جعل من تلك السراي، باحمراره وطرازه الأوروبي- العثماني، موقعًا لافتًا يتوسط المدينة، خصوصا لمن يراه من فوق أجواء بيروت. وما كان أحد حتى لينتبه الى إضافة طابق رابع جديد إليه، لولا ارتفاع أصوات معارضة، وهنا قصة أخرى.

 

طابق رابع.. وقامت القيامة!

مع انطلاق أعمال البناء والترميم والتأهيل، شاع خبر إضافة طابق جديد رابع، و”الحجة”، تلبية متطلّبات وظائف السراي، ومنها “استيعاب دوائر رئاسة الوزراء وإقامة جناح إقامة لرئاسة الحكومة وجناح آخر لإقامة الضيوف”، وقامت القيامة… لماذا؟

قرار زيادة الطابق الرابع تم من دون أخذ موافقة مديرية الآثار، ما استنفر أهل الآثار وخبراءه الى مهندسين وإعلاميين، رفضا لأي تغيير يمس الطابع العمراني الأثري الخارجي للسراي. لكن مع انتهاء أعمال التأهيل، اطمأن الجميع. فتلك الإضافة الى السراي لم تمس قدسية تراثه، لا بل حافظت على طابعه وتماهت معه كليًا، مع إصرار القيّمين على تناغمه مع المبنى الأثري، لا سيما وأن الحجارة التي بُني منها هي من أنقاض المباني التي هُدمت في وسط بيروت خلال الحرب.

والى ذاك الطابق “الثوري”، أضافت أعمال التأهيل الى السراي طابقًا سفليًا يضم مقرًّا للحرس ومواقف للسيارات، وملجأ مفروشًا ومجهزًا بالكامل لرئاسة الحكومة تحسبًا لأيام الحروب والطوارئ.

 

وعادت “الروح” إلى دار الحكومة

انتهت ورشة ترميم السراي العثماني، وكان الحدث اللبناني الكبير. ففي يوم الخميس الموافق 20 آب 1998، وبعد غياب دام عشرين عامًا، عادت الحكومة اللبنانية الى مقرَّها الرسمي التاريخي، واصطف الحرس الحكومي ليحيي رئيس مجلس الوزراء رفيق الحريري مفتتحًا السراي الكبير، ولطالما اعتبر أن من أهم إنجازات حكوماته إعادة “الروح” إلى دار الحكومة، روح أعادت السراي بعد عزلة قسرية طويلة، معلمًا تراثيًا ووطنيًا كبيرًا يتعايش في قلب الحداثة، عاد ليتصدّر الحدث اللبناني ويشهد عليه، وعاد أيضا وأيضا صرحًا سياحيًا بارزًا يقصده السيّاح والزوار للتفرّج على هندسته وواجهاته وزخرفاته الأثرية، ولتستقبلهم لوحة رخامية بارزة فوق المدخل الرئيسي نُقش عليها: “لو دامت لغيرك لما اتصلت إليك”، رُفعت بطلب من الرئيس الحريري، وقد أراد منها تذكير المسؤولين أن الحكم لا يدوم.

صدق رفيق الحريري “الحكم لا يدوم”، قال كلمته ورحل، ليخلفه نجله الرئيس سعد الحريري وارثًا منه عشقه لذاك السراي، ما دفعه كما يقول مقرّبون منه الى بناء “بيت الوسط” الى جواره، الحائط على الحائط، وبروحية ذلك السراي هندسة وتصميمًا، فبدا المبنيان المتجاوران متقاربين جدًا من الداخل والخارج.

وماذا بعد، الكثير الكثير مما قيل والكثير الكثير مما لم يُقال، لتبقى تلك الدار الواسعة التي تلوّن وسط بيروت بقرميدها الأحمر الجميل، واحدة من المباني القليلة التي حافظت على وظيفتها منذ تشييدها، وها هي صور رؤساء الحكومات الـ24 المتعاقبين منذ الاستقلال، ومنهم من تولّى رئاسة أكثر من حكومة لفترات متتالية، منذ كانت في عهدة الرئيس رياض الصلح ووصولًا الى حكومة نواف سلام الحديثة العهد، تتصدّر تلك الصالة الكبيرة، وتحكي عن سياسات وقرارات صنعت تاريخ لبنان الحديث، فماذا ستحمل لنا الحكومة الرقم 78، وأي تاريخ ستنقشه على جدران ذاك السراي الكبير؟ العيون شاخصة وتترقب..

 

فن وعمارة.. ووظائف

حسب الموقع الرسمي للرئاسة اللبنانية، للطبقة الأرضية أهمية كبرى في دورها الوظيفي بوجود قاعتين كبيرتين هما قاعة الاستقبال الرسمية وقاعة المآدب الرسمية؛ إضافةً إلى مكتب لرئيس مجلس الوزراء وآخر لزوجته ومكاتب للإعلام والمؤتمرات الصحفية، كما يتضمن قاعة مميّزة بعقودها المقببة كانت مدفونة وسط عشوائية الغرف وعدم تنظيمها، فجرت إزالة الورق والدهان عن جدرانها وأسقفها وأعيد صقلُ حجارتها الرملية المميّزة لتُستخدم لاحقًا كمتحف أو كمعرض دائم.

أما الطابق الأول من السراي فهو مخصص، إضافة إلى جناح الضيوف، لأجنحة العمل الإداري من مصالح رسمية ومكاتب ملحقة بالإدارات، بينها ممرات الرخام والغرانيت، والجدران ذات الزخرفة البسيطة، أما الأبواب فجاءت بسيطة أو مشغولة، تنسجم مع الطابع الداخلي للزخرفة وصولًا إلى أدق التفاصيل الجمالية.

أما قاعة جناج الضيوف فبها أرضية من الرخام والحجر الأبيض، وسقف مشغول عجمي وحفر تتدلى منها مشربيات خشبية دقيقة الصنع، وإلى جوار القاعة ديوانية عربية الطراز مسقوفة جزئيًا بخشب الجوز المشغول والمزين برسومات شامية وعجمية.

ويتسم الطابق الثاني من السراي بالطابع الرسمي، حيث توجد به قاعة مجلس الوزراء والمكاتب الملحقة والمراسم والأمانة العامة والمدراء العامون كما تتضمن هذه الطبقة الجناح المخصص لسكن رئيس مجلس الوزراء.

عرف الفنانون والحرفيون اللبنانيون كيف يوائمون بين شتى المدارس المعمارية التي عرفها السراي الكبير في أزمنته المتعاقبة، بحيث مزجوا بين الفن العثماني والأوروبي واللبناني والعربي والآسيوي، وزيّنوا بهذا الفن قاعات السراي وجدرانه وسقوفه ومداخله ونوافذه وشرفاته، في عملية زخرفة تبدأ بالتدرّج والتداخل، من المنمنمات والحفر على الخشب، إلى النقش على الحجر، فالحديد المشغول، ثم الرخام والحجر الملون والمطعّم، وذلك تبعًا لوظائف الأماكن والصالات والقاعات والأروقة التي تصل بينها.

وعلى الرغم من انتماء السراي للعصر العثماني، إلا أن المواد المستعملة في جميع الأعمال الحجرية والخشبية والمعدنية كانت لبنانية المصدر، باستثناءات قليلة، كرخام الكارارا وبعض الخشب المستورد من كندا، بينما لم يُستعمل الخشب القطراني إلا قليلًا لندرته، واستعيض عنه بخشب الجوز.

أما حجارة القرميد التي سُقف بها السراي الكبير فاستُوردت من فرنسا. وتبلغ مساحة السطح القرميدي 8650 مترًا مربعًا وتعلوه فتحات تعرف في العمارة العربية والمحلية بـ”بيوت الحمام” التي تضفي على المشهد العام مزيدًا من التنوّع فضلًا عن وظائفها الفنية والبيئية، بحيث بدا السراي الكبير في نهاية الأمر بقرميده الأحمر وواجهاته الحجرية الرملية وقناطره المتنوّعة وشرفاته وأبوابه الخشبية نموذجًا متجددًا لبيروت القديمة.

 

كتبت نجاح بومنصف في “المسيرة” ـ العدد 1761​

“قشلة” العثملِّي صارت أيقونة تراثية

السراي الحكومي… لو دامت لغيرك!

إقرأ أيضًا

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل