
كشفت دراسة حديثة عن أن الأطفال يبدأون بتخزين الذكريات العرضية في الدماغ منذ عمر 12 شهرًا، وهو اكتشاف يسلط الضوء على طبيعة تشكّل الذاكرة المبكرة لدى الإنسان. قام الباحثون في هذه الدراسة بقياس مدى تركيز الأطفال على الصور التي سبق لهم رؤيتها، حيث اعتبروا أن قضاء وقت أطول في التمعّن بالصور المألوفة مؤشرًا على استرجاعهم للذكريات المتعلقة بها.
نشاط الدماغ والذاكرة المبكرة
عند تحليل نشاط الدماغ لدى الأطفال أثناء استرجاع الذكريات، لاحظ العلماء أن قرن آمون (Hippocampus)، وهو المنطقة المسؤولة عن تخزين الذكريات في الدماغ، كان نشطًا لدى الأطفال الذين تزيد أعمارهم عن عام واحد، بينما لم يظهر هذا النشاط لدى الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 12 شهرًا. وقد شملت الدراسة 13 طفلًا، أظهر 11 منهم فوق السنة استجابة دماغية واضحة عند استرجاع الذكريات، في حين لم يظهر هذا التأثير لدى الأصغر سنًا.
العلاقة بين القدرة على التذكر ونشاط الدماغ
أوضحت الدراسة أيضًا أن الأطفال الذين كانوا قادرين على التذكر بشكل أفضل أظهروا نشاطًا دماغيًا أكثر قوة في قرن آمون، مما يشير إلى دور هذا الجزء من الدماغ في عملية تشفير الذكريات المبكرة. ووفقًا للباحث نيك تورك براون، فإن هذه النتائج تؤكد أن الأطفال قادرون على تشفير الذكريات العرضية في سن مبكرة جدًا، ما يشير إلى وجود قدرة مبكرة على تكوين الذكريات حتى قبل القدرة على التعبير عنها بالكلمات.
لغز الذكريات الأولى: هل تبقى أم تختفي؟
لا يزال هناك تساؤل علمي مهم حول مصير الذكريات المبكرة. هل يتم تخزين هذه الذكريات بشكل كامل لكنها تصبح غير قابلة للاسترجاع لاحقًا؟ أم أنها تتلاشى تدريجيًا من الذاكرة طويلة المدى؟
يعتقد الباحثون أن الاحتمال الثاني أكثر ترجيحًا، إذ تشير النتائج الأولية إلى أن هذه الذكريات تبقى موجودة حتى عمر الثلاث سنوات تقريبًا قبل أن تبدأ بالاختفاء التدريجي.
إمكانية استرجاع الذكريات لاحقًا
يقود الباحث نيك تورك براون حاليًا دراسة جديدة تهدف إلى معرفة ما إذا كان من الممكن إعادة تنشيط هذه الذكريات في وقت لاحق من الحياة. وتشير بعض الأدلة الأولية إلى أن الأطفال قد يكونون قادرين على التعرف على الصور التي شاهدوها في صغرهم، حتى وإن لم يتمكنوا من استرجاع تفاصيل واضحة عنها.
أهمية الدراسة في فهم تطور الذاكرة البشرية
تساعد هذه الدراسة على تفسير سبب عدم تذكر معظم الأشخاص لذكرياتهم في أول سنوات حياتهم، حيث إن الدماغ قد يكون قادرًا على تخزين الذكريات في الطفولة المبكرة لكنه لا يحتفظ بها في الذاكرة طويلة المدى. ويأمل الباحثون أن تساهم هذه النتائج في فهم أعمق لكيفية تطور الذاكرة البشرية، وكيف يمكن أن تؤثر العوامل البيئية والعصبية على هذه العملية.