.jpg)
يواجه “الحزب” اليوم أزمة سياسية وعسكرية عميقة، إذ يتعامل مع ملف ترسيم الحدود البرية بأسلوب يتناقض تمامًا مع موقفه السابق من ترسيم الحدود البحرية، ما يكشف عن ازدواجية في المعايير وتبعية واضحة للأجندة الإيرانية على حساب المصلحة الوطنية اللبنانية. الأخطر من ذلك، أن الحزب لم يترك للبنان واللبنانيين أي هامش للخيارات، بل يدفع البلاد نحو مسار خطير من العزلة والانهيار، من دون أفق واضح للخروج منه.
1 ـ ازدواجية المعايير خدمةً للأجندة الإيرانية
حين كان ترسيم الحدود البحرية يصب في مصلحة إيران، دفع “الحزب” باتجاه إنجازه عبر حكومة خاضعة لسيطرته بالكامل، على الرغم من أن لبنان خسر حقل كاريش وجزءًا من حقل قانا، اللذين كان من الممكن أن يكونا خاضعين للسيادة اللبنانية بالكامل. القرار لم يكن لمصلحة لبنان، بل جاء لتمرير مكاسب لطهران وتخفيف الضغوط الدولية عنها في ملف الطاقة.
أما اليوم، فإن رفض “الحزب” ترسيم الحدود البرية لا يعكس تمسكًا بالسيادة كما يدّعي، بل هو أداة لافتعال أزمة جديدة تخدم المصالح الإيرانية. وهذا يوضح كيف يُسخّر “الحزب” القضايا الوطنية لتلبية أولويات طهران، بدلًا من الانصراف إلى معالجة أزمات لبنان المتفاقمة.
لقد أثبت “الحزب” أنه مجرّد أداة تنفيذية للسياسة الإيرانية، لا يمتلك قرارًا سياديًا مستقلًا. ففي الوقت الذي دفعته فيه إيران إلى القبول بترسيم الحدود البحرية لخدمة اقتصادها، ترفض اليوم أي تسوية برية، لأنها تسعى للإبقاء على لبنان كورقة ضغط إقليمية. كما تدرك طهران أن ترسيم الحدود البرية سيُضعف “الحزب” ويُجرّده من دوره كذراع عسكرية خارج سلطة الدولة.
2 ـ الإفلاس العسكري والسياسي بعد حرب بلا جدوى
بعد المواجهة الأخيرة مع إسرائيل، التي جاءت عقب فتح الحزب “جبهة دعم” لحركة ح. بطلب إيراني، تبيّن بشكل واضح تراجع قدرته على الردع، بعدما تكبّد خسائر فادحة من دون تحقيق أي مكسب استراتيجي. هذه المواجهة لم تكن سوى حرب مدمّرة للبنان بلا مردود سياسي أو عسكري حقيقي.
في ظل هذه الخسائر، يحاول “الحزب” التغطية على فشله من خلال تصعيد الخطاب الوطني ورفع الشعارات، لكنه يواجه ثلاث معضلات رئيسية:
تراجع الثقة الداخلية، إذ بدأ جزء من جمهوره بالتشكيك في جدوى مغامراته العسكرية.
فقدان الدعم العربي والدولي، حيث بات يُنظر إليه كعامل فوضى إقليمي لا كقوة “تحرير”.
انكشاف زيف “سلاح الردع”، بعدما أصبح واضحًا أن ترسانته لم تمنع إسرائيل من فرض معادلات جديدة في الميدان.
3 ـ الخوف من نهاية الدور العسكري
إن القبول بترسيم الحدود البرية والدخول في تهدئة دائمة يعني عمليًا سقوط مبرّر وجود سلاح “الحزب”. فـ”الحزب” يدرك أن أي تسوية برية تعني:
ـ إخراج لبنان من دائرة المواجهة الإقليمية، ما يتناقض مع دوره كأداة في المشروع الإيراني.
ـ تقليص شرعيته الداخلية، إذ سيتراجع مبرّر الاحتفاظ بسلاحه خارج سلطة الدولة.
ـ تمهيد الطريق أمام قوى سياسية لبنانية لطرح مشاريع بديلة، قد تعزز الدعوات لنزع سلاحه تدريجيًا.
لهذا، يرفع “الحزب” اليوم شعار “الحفاظ على السيادة”، على الرغم من أنه سبق وتنازل عن حقوق لبنان في البحر، ورهن البلاد بالكامل لمصالح طهران.
4 ـ لبنان نحو العزلة والانهيار: كيف نكسر الدوامة؟
“الحزب” لم يترك للبنان إلا طريقًا واحدًا: العزلة والانهيار، من خلال:
ـ تدمير الاقتصاد عبر سياساته التي تبعد البلاد عن الاستثمارات الدولية.
ـ إضعاف مؤسسات الدولة عبر سيطرته على القرار السياسي والأمني.
ـ إقحام لبنان في حروب إقليمية تخدم طهران.
ـ قطع العلاقات مع العالم العربي والدولي، مما يجعل أي حل سياسي صعب التحقيق.
الحل: احتواء “الحزب” بدلًا من مواجهته المباشرة
ـ وضع جدول زمني واضح لسحب سلاح “الحزب” تدريجيًا، تحت إشراف الدولة، بما يطمئن اللبنانيين بأن هناك عملية منظمة لاستعادة السيادة، ويعطي المجتمع الدولي والعربي إشارة واضحة بأن الحكومة قادرة على تنفيذ التزاماتها، مما يشجع على انخراط أوسع في الحلول بأقل حدة وأكثر عقلانية، بدلًا من ترك السلاح ملفًا مفتوحًا دون رؤية واضحة لإنهائه.
ـ استعادة القرار الوطني تدريجيًا عبر بناء مؤسسات مستقلة في القضاء والأمن والاقتصاد، بحيث تعود الدولة إلى دورها الطبيعي بعيدًا عن ابتزاز “الحزب”.
ـ إنشاء شبكة دعم اقتصادي عربي ودولي، لتوفير بدائل اقتصادية لسكان مناطقه، ما يقلل من ارتهانهم لرواتب الميليشيا.
ـ فتح قنوات تفاوض دولية لوضع سلاح “الحزب” ضمن حلول إقليمية، بدلًا من إبقائه ملفًا داخليًا يُستخدم لتهديد اللبنانيين بالحرب الأهلية.
ـ إعادة بناء تيار وطني عابر للطوائف، يعيد الهوية اللبنانية إلى الواجهة في مواجهة مشاريع الهيمنة الطائفية.
ـ فرض معادلة استقرار إقليمية تمنع استمرار وجود ميليشيا خارج سلطة الدولة، عبر تفاهمات عربية – دولية تعيد لبنان إلى محيطه الطبيعي.
المطلوب خطة هادئة لكن حاسمة
“الحزب” لم يعد قوة لا تُقهر، لكنه لا يزال يمتلك نفوذًا كبيرًا. الحل لا يكمن في المواجهة المفتوحة، بل في تحويله من لاعب مهيمن إلى طرف يخسر مبررات وجوده تدريجيًا، حتى يصبح عبئًا على بيئته السياسية والاجتماعية بدلًا من أن يكون عنصر قوة فيها.
السؤال اليوم ليس “كيف نواجه “الحزب” عسكريًا؟”، بل “كيف نجعل مشروعه غير قابل للاستمرار سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا؟”. عندما تتحقق هذه الاستراتيجية، ستصبح المواجهة معه حتمية، لكن الخاسر فيها سيكون هو، ليس بالسلاح، بل بفقدان شرعية بقائه كقوة فوق الدولة.