Site icon Lebanese Forces Official Website

حلّوا القوّات.. فحلّيناهم بإيماننا

لا يمكن لأي فريق سياسيّ في بلد يقوم على قاعدة التنوّع والتعدّد والتآلف الحضاريّ أن يلغي آخر. والتجارب قد أثبتت ذلك في تاريخ لبنان الحديث والقديم. حروب الإلغاء العسكريّة والسياسيّة كلّها سقطت. لا بل انعكست نتائجها بأفظع الطرق على مرتكبيها أنفسهم. وكلّ الذين حالوا الإلغاء عاد التّاريخ وألغاهم هم أنفسهم.

23 آذار من العام 1994 لم يكن تاريخًا عابرًا في لبنان. بل كان تاريخًا جسّد نهج تثبيت الوجود المسيحي الحرّ. هذا الوجود الذي عبر بفئويّته الدينيّة إلى رحاب الكيانيّة اللبنانيّة، فصار اليوم بعد مضي نيّف وثلاثين سنة، تاريخ عودة الدّولة من بطون حيتان دويلات السلاح غير الشرعي، ومن براثن غيلان الموت الذين أنكروا جرم قتل بيروت، وهم كانوا حتمًا يعلمون، لذلك لن يغفر لهم التّاريخ.

ظنّوا أنّهم بقرار يتلفّظ به النّاطق الرّسمي باسم الاعلام الأصفر سيشطبون تاريخ وجود بأكمله، لكن فاتهم أنّ التّاريخ المحفور في أعماق وادي قاديشا، والمنقوش صليبه المشطوب على خشب أرز الرّبّ لا يمكن أن يُشطَب بل هو الذي يَشطُب.  وهذا ما حصل بعد عقود ثلاثة. نضال مستمرّ. أنهر من الدّموع ذرفتها أمّهاتنا. خرائط رسمتها سياط النّظام الأمني اللبناني ـ السوري على أجسادنا. دماء ذكيّة ذرفناها في زمن السلم غدرًا بحوادث سير مفتعلة على كوع بكركي فصرخ ناجي زخّور يا يسوع.

ولمّا عاد سامي أبو جودة من الولايات المتحدة التي غادرها بعد تهديده بعد عملية 13 تشرين من العام 1990، وعندما كان يكتب المعايدات على بطاقات الميلاد لعائلته في  18 كانون الأوّل  من العام نفسه  في محل الصاغة الذي يملكه في الزلقا، سمع اسمه من مسلّحين فوقع شهيدًا برصاصاتهم.

وفي ليلة الميلاد التي من المفترض أن يمّحى البغض فيها، أفرغوا جام بغضهم في جسد الرّفيق إيلي ضو. وإجرامهم لم يوقفهم عند هذا الحد بل طاردوا زوجته الحامل وأطلقوا النّار عليها في المطبخ، لكن يد العناية الالهيّة رحمتها. ليكملوا إجرامهم الصامت في العام 1991 وفي ليلة الميلاد أيضًا ليقتلوا “شلومو” حارس الجرد، سليمان عقيقي في بلدته كفرذبيان بـ18 رصاصة.  وفي 3 أيّار من العام 1992 كان الغدر من نصيب  الرفيق  نديم عبد النّور الذي امتلك ما يكفي  من الجرأة  وقال لهم: “بدكن تقتلوني قتلوني، بس مش قدام إبني”، فأردوه شهيدًا ليروي شوارع الأشرفيّة العطشانة إلى الحرّيّة في ذلك الزمن الأسود.

أمّا هناك، في الوزارة التي من المفترض ان تكون للدّفاع، حوّلوها مع أسيادهم مكبسًا “صيدنانيًّا” لعذاباتنا. قتلوا فوزي الراسي تحت التعذيب. بعدما أسلم نفسه لهم في 19 نيسان من العام 1994. وصرخ على كرسي  “عطيّه” الجلاد،  يا عدرا وأسلم الرّوح.

ولمّا تجرّأت عيوننا على مواجهة مخارزهم في الانتخابات البلديّة في العام 1998 قتلوا الرفيقين جورج ديب ونعمة زيادة في 19 حزيران. وتابعنا بكلّ جرأة نضالنا لمواجهة قرار حلّهم وإلغائهم من بوابة مصلحة الطلاب مع المهندس الرفيق رمزي عيراني فاختطفوه في السابع من أيّار من العام  2002، وفي  العشرين من أيّار اعادوه إلى زوجته جيسي وولديه ياسمينا  وجاد مع رصاصتين في صدره مكبّلًا في صندوق  سيّارته. كم كان قاسيًا هذا الخبر عليّ شخصيًّا عندما كنت مقاومًا في كليّة الآداب في الفنار الفرع الثاني، يوم تلقّينا الخبر رفاقي وأنا.

واستمرّ نضالنا لمواجهة حلّنا. فروى الرفيق بيار بولس تراب القضيّة في الأشرفيّة من جديد في الوّل من أيّار من العاك 2004 بعدما سالت الدّماء من رأسه نتيجة لضربات تلقاها بالحديد عليه. وفي العام نفسه في 14 أيلول أغمد بعض السوريين الأكراد سكينهم في صدر بيار سيمون عفارة في برج حمود بعد تمثيليّة سمجة كدمائهم القذرة عن مشكل، ليتدخّل بيار ويسقط شهيدًا.

وفي تمّوز من العام 2005 وعلى خلفيّة الانتخابات النيابيّة في الشمال فتح المدعو يوسف فرنجيّة النار على الرفيقين عزيز صالح وطوني عيسى في بلدة ضهر العين فسقطا أمام أعين سلطة أمن الأمر الواقع، ليلوذ هو بالفرار إلى عرين عمالته أرض النّظام السوري. فمات هناك صغيرًا بعدما قتل الكبار بحسب الجملة التي دوّنها عزيز على دفتر مذكّراته: “أعظم الرجال وأعظم الأفكار، يغتالهم أصغر الرجال وأصغر الأفكار، فكن عظيمًا في تفكيرك على الرغم من ذلك.”

وكأنّ القدر لا يتعب ولا يستكين من ارتوائه بدمائنا! حتّى بعدما أسقطنا قرار الحلّ وخرج رئيس الحزب الدكتور سمير جعجع إلى حرّيّته وفي الثلاثاء الأسود الموافق في 23 كانون الثاني من العام2007، عندما كان أنصار 8 آذار ينفّذون أجندة أوليائهم السوريّين، تثبيتًا لعمالتهم، أطلقوا النّار على أوتوستراد البترون على الرّفيق رياض أبي خطّار فسقط شهيدًا وأسقط مشروع 8 آذار وقتذاك.

ولبصرما الكورانيّة نصيب من الشهادة في زمن حلّ الحلّ، عندما أطلق أنصار المردة النّار على الرفيق بيار إسحق فسقط شهيدًا لأنّه تجرّأ ورفع صور الحرّيّة والكرامة في 16 أيلول من العام 2008. وأكملت يد الغدر لتطال الرفيق الياس الحصروني في 6 آب 2023 في بلدته في عين إبل حيث وقف بوجه آلة إيران القتّالة.

وحتى تاريخ ما قبل كتابة هذه السطور بوقت  وجيز، روى الرفيق باسكال سليمان في  7 نيسان من العام 2024 دماء جبيل ولبنان  كلّه، فأزهرت دماؤه براعم تحرّر روحاني وزُرِعَ  جنبًا إلى  جنب  رفاقه الشهداء أرزة في إيليج لتعلّم زوجته المؤمنة العالم الإيمان الوطني كيف يكون بعد استشهاد حبيبها.

كلّ الذين تجرّأوا وقتلونا في زمن الحلّ وما بعده، طالتهم عدالة السماء وعاقبتهم. نحن لا نأخذ بالثأر لأنّنا أقوياء. نحن نصلّي، والرّبّ لم يمت يومًا ولن يموت لذلك هو يعرف متى وكيف يقيم العدل في مملكته على الأرض. وها عدل الرّبّ ساد. وإيماننا انّه سيسود أكثر فأكثر لأنّنا ثابتون في إيماننا وقناعاتنا.

دماؤنا كانت بذور حنطة أنبتت ألوف السنابل، وهذه السنابل بالذات صارت أصواتًا في صناديق الاقتراع وهي التي حلّت يد القتل والحلّ والذّلّ هذه. أجمل الأيّام هو الغد. معًا نصنعها اليد باليد. لأنّنا متحدّرون من فلسفة ثالوث المحبّة والحرّيّة والنور. نحن الذين بنينا الدير والمدرسة والمتراس على حدّ أنطوان الشاعر مالك طوق. وإن لم تؤمن عزيز القارئ بعد:

” حطّ إدنك ع الصّخر،

يا بتسمع صوات الدّهر …

يا بتسمع القدّاس”.

Exit mobile version