Site icon Lebanese Forces Official Website

خاص ـ “فكر حر”: خارجية الوزير

وزارة الخارجية

لم يأتِ الوزير جو رجّي إلى وزارة الخارجية ليُحدِث مجرّد رجّة أو ضجّة أو هزّة، بل زلزالاً شاملاً على كل الأسس والمقاربات السياسية التي قامت عليها هذه الوزارة منذ عهد الوصاية السورية على لبنان، وحتى الوصاية الباسيلية، مروراً بوصاية الممانعة.

صحيح أن الوزير رجّي جاء من ضمن “الاستابليشمنت” لهذه الوزارة، غير أن مقارباته الوطنية والسيادية الجديدة، وإن بدت فريدة ومتمايزة عمّا سبقها، تُعبّر عن الخط البياني الصحيح والسليم والمستقيم للسياسة الميثاقية اللبنانية منذ العام 1943 مروراً بوثيقة الطائف وصولاً إلى إعلان بعبدا وغيرها من المواثيق والأعراف والاتفاقات وحتى اليوم، والقائمة بشكل أساسي على معادلة لا شرق ولا غرب، ومعادلة نأي لبنان بنفسه عن سياسة المحاور الخارجية، والحياد الموضوعي للبنان، خصوصاً بفعل تركيبته المجتمعية التعددية.

فالتركيبة المجتمعية التعددية التي يقوم عليها لبنان، لا يمكن أن تستقر وتتّزن وتتفاعل إيجاباَ بين بعضها البعض في الداخل، إلاّ إذا قامت سياسة لبنان الخارجية على مقاييس نسبية متوازنة تبعاً لتعدد الثقافات والارتباطات للمكونات المجتمعية اللبنانية. وهذه السياسة الخارجية لا يمكن أن تتكلّل وتُختتم بالنهاية، إلا في تحييد لبنان التام عن كل سياسات المحاور، وخصوصاً المتصادمة والمشتعلة منها، ما عدا طبعاً القضايا الانسانية المحقّة، سواء في منطقة الشرق الأوسط أو حول العالم.

فاستثناءات زمن الوصاية والسلاح غير الشرعي لا تجعل منها القاعدة في إدارة سياسات لبنان الخارجية، لأن هذه الاستثناءات هي مجرد اختلال للتوازن الخارجي والعربي والدولي للبنان، وقد تجلّى هذا الاختلال بأسوأ صوره خلال السنوات العشر الأخيرة من خلال وقوع لبنان في عزلةٍ عربية وخليجية ودولية شبه تامة، بفعل سياسات الوصاية الأسدية السابقة على لبنان وامتداداتها الممانعجية والباسيلية اللاحقة، إلى حين تولّي الوزير رجّي وزارة الخارجية.

ما يحاوله رجّي اليوم في الخارجية، هو تقويم كل هذا الاختلال السابق وإعادة السياسة الخارجية للبنان إلى سكّتها الصحيحة قبل أزمنة الوصاية والسلاح والفساد، وهذا ما قد يبدو غريباً للبعض، خصوصاً ممّن اعتاد على سماع سمفونيات “وحدة المسار والمصير”، و”زحفاً زحفاً حتى القدس”، و”فليسقط واحد من فوق”، إلى ما هنالك من شعاراتٍ جوفاء تُعبّر عن خنفشارية السياسات الخارجية التي سادت طيلة المرحلة السابقة وأدَّت إلى الفشل والخراب.

صحيحٌ أن جو رجّي هو وزير الخارجية في لبنان، لكنه بمجرّد توليّه لها أصبحت هي خارجية الوزير التي تُختزل في شخصه، بفعل نجاحه بملء الفراغ الكبير الذي خلّفته سلوكيات الانبطاح والتردد والخوف والاستلحاق السابقة، فالطبيعة تكره الفراغ ووزارة الخارجية من هذه الطينة الطبيعية أيضاً.

لكأن هذه الوزارة كانت تنتظر من يعيد إليها رمزية شارل مالك، ويُصّوب لها بوصلتها الخارجية من طريق القدس وطهران وقصر المهاجرين باتجاه الدستور والقوانين والكيانية، لا مجرّد وزير يُردِّد ما يُمليه عليه مسؤول وحدة ارتباط من هنا، أم والي عنجر من هناك، أم مُفسد في الأرض من هنالك.

وصحيحٌ أن الوزير رجّي جاهر علناً بقوّاتيّته وانخراطه في العمل النضالي في أزمنة الصمود والمقاومة، غير أن مواقفه في السياسة الداخلية والخارجية تُعبّر عن فكرٍ وطني حُرّ متوازن في وزارة الخارجية، كيف لا، والحرية والوطنية والفكر الحرّ هي صنو “القوات اللبنانية” أصلاً، ولا يمكن لأي صاحب فكر وطني حرّ إلّا أن يكون قواتياً بالنهاية مهما كان الموقع الذي يشغله.​

Exit mobile version