جورج رحمة وطارق خوري: بطولة الأخوّة في فرقة الصدم

حجم الخط

مع بداية حرب العام 1990 المشؤومة، والتي كانت صراعًا دمويًا لا يرحم على الهوية والوجود والكرامة، وبعد المعارك العنيفة في كسروان وجبيل، امتد القتال إلى شرق بيروت، وتحديدًا الى المتن، حيث تداخلت مواقع القوى المعادية مع “القوات اللبنانية”، مما جعل خطوط المواجهة غير ثابتة مع جحيم بوابل من القذائف. وعلى جبهة الجديدة – نهر الموت، التي كانت من أخطر الجبهات، اندلعت اشتباكات ضارية، دفعت بمجموعة من فرقة الصدم للتوجه إليها عبر الطرادات البحرية لتعزيز الصمود، والتصدي لتقدم القوى المعادية في تلك المنطقة الحيوية. فدارت المواجهات وسط ظروف معقدة، حيث خاض المقاتلون قتال شوارع شرسًا بين المباني والزواريب الضيقة، في معركة دامية وصراعات غير متوقعة، مما جعل السيطرة على الأرض تحديًا مستمرًا. لم يكن هناك مكان آمن ولا وقت للحزن، فكل شيء كان معلقًا بين الموت والحياة، في حرب لم ترحم أحدًا، ولم تفرق بين منزل أو كنيسة، ولا بين مقاتل أو مدني، ولا بين طفل أو كهل، لتترك خلفها جراحًا لا تلتئم وألمًا لا يُمحى.

في خضم هذا القتال العنيف، حيث اختلطت أصداء الرصاص بأصوات الأنفاس والركض بين الركام، كان جورج رحمة في طليعة النخبة الذين واجهوا الموت على الرغم من الإصابات التي لحقت به سابقًا. ففي معركة نهر إبراهيم، أصيب في رجله، لكنه لم يسمح لهذا الجرح أن يكبّله أو يضعف عزيمته. عاد إلى ساحات القتال بروح أكثر صلابة، مؤمنًا بأن رسالته لم تكتمل بعد، وأنه لا يزال لديه الكثير ليقدمه دفاعًا عن رفاقه وأرضه.

من مبنى إلى آخر، كان جورج يركض بخفة، متجاوزًا الحواجز والرصاص. كان يعرف أن كل ثانية تمر تحمل معها احتمالات الموت، لكنه لم يتردد، بل واصل اندفاعه بحذر مقاتل الصدم المحترف الذي يحسب لكل خطوة حسابها. كان يؤمّن الطريق لرفاقه، ويثبت بأفعاله أن الالتزام هو قرار المواجهة بدلًا من التراجع.

وفي لحظة حاسمة، عندما كان يقترب من هدفه، اخترقت ثلاث رصاصات غادرة جسده، إحداها أصابت قلبه. ترنح للحظات قليلة، ثم سقط، ممددًا فوق التراب الذي لطالما دافع عنه… أغلق عيناه على القَسَم الذي لم ينكث به، ورحل شهيدًا قبل أن يتمكن رفاقه من إنقاذه.

لكن في مكان بعيد من ساحات المعركة، وفي لحظة تزامنت مع سقوطه، دوت صرخة أخرى… صرخة أم شعرت بانقباض غريب في قلبها، وكأن روحها انتزعت للحظة. توقفت عن أي شيء كانت تفعله، وشعرت بشيء أقرب إلى الفقدان، وكأن قلبها كان متصلًا بروح ابنها في تلك اللحظة الحاسمة بالذات. سالت دموعها على ابنها ذي العينين الخضراوين، قبل أن تعلم أنه قد بات شهيدًا، وكأن إحساسها الأمومي سبق الواقع، ولامس الحقيقة التي لم ترد أن تصدقها.

ومع اشتداد القتال في منطقة نهر الموت، لم يتمكن رفاق جورج من سحب جثته التي كانت في قلب محور المعركة، حيث كانت النيران تحاصرهم من كل جانب. كانت غصّة مؤلمة على قلوبهم، مع فقدان أصغر وأحب أخٍ قبل أن يكون رفيقًا في السلاح وفي فرقة الصدم، والذي ضحّى بحياته لحمايتهم.

جورج رحمة، كان يجسّد القوة والإرادة والقيادة في آن معًا. نشأ في عائلة كبيرة تضم خمسة شباب وثلاث بنات، وكان من بين الأصغر بينهم. تميّز بشخصيته الطموحة، الذكية، المحبّة، البشوشة، والمتفوقة دراسيًا، وكان محط إعجاب من الجميع بفضل تفانيه العميق وإنسانيته التي لا حدود لها.

ترعرع جورج في بيئة عسكرية غنيّة بالتأثيرات، وكان لشجاعة أخيه طوني، أو “نوسو”، الذي اعتقل وتعرض للتعذيب على يد النظام السوري، الدور الأكبر في تشكيل شخصيته. هذا الحدث ترك في نفسه جرحًا عميقًا وزاد من التزامه العميق بالقضية اللبنانية.

على الرغم من صغر سنه، كان جورج، أو “جورج نوسو” كما كان يُلقب، لا يتردد في الانخراط في جميع التدريبات العسكرية. وعندما بلغ السابعة عشرة، قرر الانضمام إلى فرقة الصدم، متحديًا كل من شكك في قدرته على النجاح في هذه المهمة الصعبة. كان قلبه وعقله مشبعين بإرادة لا تنكسر، وكان دائمًا في طليعة المدافعين عن وطنه، مما مكّنه لاحقًا من الحصول على تنويه من رئيس الأركان تقديرًا لروحه القتالية العالية وشجاعته الفائقة في مواجهة التحديات.

استشهاد جورج، كان الشرارة التي ألهبت عزيمة المجموعة للاستمرار في القتال بشجاعة، متقدمين بخطوات ثابتة على الرغم من الإصابات التي لحقت في صفوفهم. أما في الجهة المقابلة، فكانت مدرعات العدو تسيطر على تلة بياقوت العالية المشرفة على ساحة الاقتتال، مما منحهم أفضلية استراتيجية ودعمًا متواصلاً من القصف على الفرقة، ليزيد بذلك تعقيد الموقف على الأرض ويصعب مهمة الصادم..

وفي أقل من ساعة على استشهاد جورج، دوّى انفجار آخر هزّ المكان بعنف، وتناثرت شظاياه كالسكاكين في الهواء، فأصيب الملازم الأول طارق خوري، أحد مقاتلي الفرقة. حاول رفاقه أن يسعفوه لكن من دون جدوى، فكانت كلماته الأخيرة صرخة في وجه الموت:

“لازم نربح على هالمشروع السوري يلي بدو يلغي المقاومة المسيحية بلبنان”…

وكأنه قرأ ما بين السطور الدافع للحرب، وفهم بعمق ما كانت تعنيه تلك اللحظات المصيرية. اختفى صوته بابتسامة خفيفة بالكاد رُسمت على شفتيه، قبل أن تغمض عيناه بوداع أخير صامت، تاركًا في الوجدان ضجيجًا لا يهدأ. شظية قذيفة أصابت رقبته، قطعت وريدها، وأخذت معها نبضًا كان يملأ المكان حياة. اختنق جسده، وتورم من جراحه، لكن روحه بقيت حية في ذاكرة كل من عاصروه، كطيف يتنقل بينهم، يذكرهم بأن التضحية لا تعرف الحدود، وأن الشجاعة لا تقاس بالسنين بل بالعزيمة والإيمان بالقضية.

رحل طارق، شهيدًا، مرافقًا لجورج في الحياة الأبدية، تمامًا كما رافقه في دوراته العسكرية في فرقة الصدم، ليجسد مرة أخرى أسمى معاني الأخوة، التي تجلّت في تلك اللحظات المصيرية.

طارق خوري، من مواليد طرابلس، نشأ في عائلة مكونة من ثلاثة إخوة (أخوين وأخت)، وكان يتميز بالأخلاق الحميدة والرصانة، والطبع المحب والمرح. حصل على ماجستير في إدارة الأعمال قبل أن يلتحق بمعهد بشير الجميل، حيث تخرج برتبة ملازم. واصل مسيرته العسكرية كمدرب في المعهد بين عامي 1987 و1989، حيث رُقيّ إلى رتبة ملازم أول، ليصبح بعدها أحد أفراد فرقة الصدم في “القوات اللبنانية”.

لم يكن طارق خوري مجرد مقاتل شجاع، بل كان مثقفًا يجمع بين العلم والانضباط والتعاون. كان شخصًا مليئًا بالحيوية، مشرقًا بالضحك والمزاح، ومحبًا للحياة على الرغم من قساوة الحرب. كانت مواقفه دائمًا تعكس إيمانه العميق بأن القوة الحقيقية لا تكمن فقط في السلاح، بل في الفكر والقيم التي تحكم تصرفاته، وروحه المرحة التي كانت تميزه بين رفاقه. استشهد طارق خوري في ساحة المعركة، حيث دفع حياته ثمنًا لعشقه الكبير لقضية وطنه، تاركًا من أحبها واختارها لتكون شريكة عمره. لكن، على الرغم من غيابه، ظل طارق حاضرًا في ذاكرة رفاقه وكل من عرفه. كان نموذجًا للمقاتل الذي حمل السلاح بعقل وحكمة، وعاش الحياة بحب وأمل.

صحيح أن المهمة تمت بنجاح في وقت كانت فيه القلوب ملؤها الشجاعة والإرادة، بينما كانت خطوط المواجهة تُرسم وسط الدمار والدماء، وفي لحظات لا يجرؤ الآخرون على مواجهتها، إلا أن جورج “صغير الفرقة” رحل عن عمر 19 عامًا في مساء 4 شباط 1990. نيران القنص التي كانت تُحيط به، لم تبطل من عزيمته في الوقوف في الصفوف الأمامية، ليبقى حيًا في كل زاوية من المعركة، وفي كل نفس ضحى به من أجل الوطن.

وعلى الرغم من استشهاد طارق “مثقف الفرقة” البالغ من العمر 29 عامًا، الذي فدى بنفسه أخوته في الفرقة، مخلصًا في مهمته حتى اللحظة الأخيرة، ومُجسدًا بذلك قيم التضحية التي تميز فرقة الصدم، تم دفن جورج وطارق بعد رحلة طويلة امتدت لشهر كامل، في ظروف معركة قاسية لم تمنح الفرصة للراحة أو الوداع أو حتى الحزن.

… ويظلّ لبنان كما أرادته “القوات اللبنانية” ومن استشهدوا من أجله، ولتظل “القوات اللبنانية” صامدة كحصن منيع، تخوض معركة وجودية فُرضت عليها في صراع دموي لا يرحم. دافعت عن أهلها وحمتهم بقلوب لا تعرف الخوف وإرادة لا تنكسر، حين لم يكن أمامها سوى خيار المقاومة للحفاظ على ما تبقى من الأرض والكرامة.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل