لستُ أتقبَّل، أو أقبل، أنّ كشفَ الحساب الذي يجب أن تقدّمه السّلطة الحاليّة، بعدَ هدوء الأهازيج، سيكشف خيبة أملٍ لدى الذين حلموا بالتّغيير، فاستفاقوا على وعودٍ غير مترجمة. فغالبيّة المدركين تعي أنّ الأهدافَ، بمدلولاتها الوطنيّة والسياسيّة، لا يمكن أن تتحقَّق بسحر ساحر، قبلَ إزالة الرّواسب التي عملَت، خلالَ عُقودٍ طويلة، ولمّا تزل، على تفسيخِ الوطن، وضعضعةِ البناء الكيانيّ، وزَجّ البلدِ في خياراتٍ قاتلةٍ فتحَت له بابَ الجحيم.
ينبغي علينا أن نَعِيَ أنّ وعدَ السّلطة ليس مجرّدَ يافطة، أو شِعارًا فضفاضًا، أو حبرًا على ورق، بل هو رسالةٌ يُعمَلُ على تجسيدِها بالفعل، في واقعنا الوطني. وبالتالي، يستحيل الوصول الى هذه الحال المتقدّمة، إلّا بتَحَمّل السّلطة مسؤولية التّغيير، بجرأة، وبنظرة مختلفة عمّا سادَ في التّجاربِ العقيمة الماضية، والتي أودَت بآمالِ الناس الى اليأس، والإحباط، والى مشاريعِ الهجرة. من هنا، ينبغي اعتمادُ خطّة موثوقة، ترمي الى استعادة الوطن من نَشّاليه، وتكون النقلةَ النوعيّة المطلوبة في استراتيجيّة الحكم، للوصولِ الى المُرتَجى.
الكلُّ يعلَم، وبالتأكيد، أنّه قد نشأت، عندَنا، ومنذُ زمنٍ لم يمرَّ عليه الزّمن، حيثيّةٌ جديدةٌ في الدولة، هي دولة المافيا، والتي اخترقت السلطة بدرجةٍ أدّت الى شلِّها، ليبسط المافياويّون هيمنتَهم الكليّة على الإدارةِ والمرافق، بشكلٍ أخطبوطيٍّ مُمَنهج، وبحمايةِ الميليشيا المُستقوية بسلاحٍ غير شَرعيّ، ليتقاسمَ الطّرفان، معًا، الصّفقات والسّمسرات، وعائدات الابتزاز والاختلاس، بالتّكافل والتّضامن. وفي مقابلِ هذا الوضع، كان قُصورٌ في أداء الدولة، أو عدمُ وجود لها، أو مشاركةُ مسؤوليها بحصصٍ فتحَت جيوبَهم وأغلقَت أفواههم وضمائرَهم، ما أدّى الى فشلٍ بالغٍ في كَبحِ جماحِ م/م أي (المافيا والميليشيا)، وبالتالي، الى إجهاض ما سُمِّيَ مشاريع الإصلاح.
واستنادًا، إنّ المطلوب من العهد وحكومته عدم اتّباع القاعدة الموبوءة التي قَرصَنَت الوطن، وغلغلت في أسلوبِ الحكمِ مفاهيم عوجاءَ رمت بالبلاد في مستنقع القهر والعَوَز. إنّ المطلوبَ عدم الإذعانِ لشياطين الأمسِ، واليوم، وربّما غدًا، وذلك بالتصدّي بجرأةٍ متمرّدةٍ من شأنِها أن تقضَّ مضاجعَ المعتدين على مكوّناتِ السيادة، وبُنيةِ المؤسّسات، وحرمةِ القوانين. إنّ المطلوبَ عدمُ التستّرِ على الجُناة الذين أمعنوا في الفسادِ بالسرقات، والرشاوى، والسّمسرات… وعدمُ إسدال السّتار على موبقاتهم، ليتمَّ سَوقُهم الى المحاسبة.
أمّا المسألتان اللّتان تتربّعان في أوليّةِ اهتمام أركان الحكم، فهما تنفيذُ القرارات الدوليّة، بحصر السلاح في يدِ القوى الشرعيّة، فلا بُؤَر أمنيّة خارجة على سلطة الدولة، وكذلك التركيز، وبإصرار، على مفهوم الوطنيّة انتماءً وولاءً، فلا وجود لِمَنْ يجاهرُ بولائه لخارطةٍ غيرِ خارطةِ لبنان.
لسنا نقبلُ أن تبقى الدولة باطلًا يتستّرُ بالحقّ، فأقانيمُها ثلاثةٌ هي الشّعبُ والأرضُ والنّظام، وكلُّ ما سوى ذلك ترّهاتٌ وبدع. واستنادًا، من غيرِ المألوفِ أن يتحوَّلَ المسؤولون في الدولة الى شُيوخِ صُلح، يستدرّون بَرَكةَ هذا أو ذاكَ من “رُفات ” التسلّط، أصحابِ العيوبِ والتشوّهات الوطنيًّة، فقد آنَ الأوان للخروجِ من الحُفَر، وألّا يستدعي مشهدُ الذلِّ مشهدَ ذلٍ آخر، فنتجوّل كلُّنا في كَفَنٍ ينزفُ وطنًا.
إنّ نُشدان الإصلاحِ بإِعمالِ موازين الحقِّ والعدل، ليس انقلابًا سلبيًّا بمعنى الهبَّة الغاضبة التي لا تقودُ إلّا الى الفوضى، ” فالغضب يقضي حتى على اللّبيب ” كما يقول العهد الجديد. إنّه قوّةٌ ديناميكيّة ترسمُ علاماتٍ جديدة في التّعاطي السياسي والوطني، أو هو شرارةٌ لحِراكٍ يعيدُ للدولةِ قدرتَها على امتلاكِ سيادتِها، وهذا، بالذّات، هو نَبضُ الشّارع الذي يطالبُ، عن حقّ، بإعلانِ أنّ الدولة هي مؤسّسةُ الأمّةِ ضدَّ الفساد والعَمالة.
إنّ طموح الكثيرين من النّاس ألّا يُحال حلمهم الآمِلُ على التّقاعد، ويُستَبدَل الظّلمُ بالظّلم، والتّزييفُ بالقلق، والغشُّ بالوعدِ الخائب.. كلّا، إنّنا نأمل من الذي حملَ همَّ البلدِ بنقاء، وبتمرُّدِ الكبار، أن يكون تَوّاقًا الى فَكِّ زرد الانسحاق التي قُيِّدَ بها الوطن، ليعبر بشَعبِه الى فسحاتِ الكرامةِ في الحقِّ والحريّة..
