#dfp #adsense

بين طهران وتل أبيب: “الحزب” وتفكيك الدولة

حجم الخط

لبنان ينزلق نحو انهيار بنيوي يتجاوز الأزمات الظرفية، فيما تترسّخ عوامل التفكك الداخلي على وقع سلاح غير شرعي مرتبط بمشروع إقليمي خارجي. فـ”الحزب” لم يعد مجرد مكوّن سياسي مثير للجدل، بل تحوّل إلى عامل حاسم في تقويض السيادة، وضرب مبدأ المواطنة، وتكريس واقع الانقسام كأمر واقع.

هذا المسار لا ينفصل عن خارطة التفتيت الإقليمي التي لطالما اتُهمت بها إسرائيل، بل يلتقي معها في الهدف والنتيجة: تفريغ الدولة من مضمونها وتحويلها إلى ساحة صراع دائم.

أولاً: “الحزب” ونقض مفهوم المواطنة

تعريف المواطنة القانوني والعلمي يفترض ولاء الفرد الحصري للدولة، خضوعه لدستورها، مساواته مع سائر المواطنين، وقبوله بالدولة كمرجعية نهائية. “الحزب”، كمكوّن لبناني يحمل الجنسية اللبنانية، يتعارض جذريًا مع هذه الأركان:

1. الولاء السياسي والديني لإيران، عبر التزامه العقائدي بولاية الفقيه، ما يضعه خارج الانتماء الوطني الحصري.
2. استمرار امتلاكه للسلاح خارج سلطة الدولة، يضعه فوق القانون ويقوّض سيادة الدولة.
3. رفض المساواة مع باقي الفئات، بل يعمل على فرض معادلة طائفية استثنائية بالقوة.
4. عرقلة بناء دولة المؤسسات، والضغط المسلح على الانتخابات، المحاكمات، القرارات الأمنية، وحتى العلاقات الخارجية.

إن هذا الخروج المنهجي عن مبدأ المواطنة يُشكّل انتهاكًا صارخًا لمقدمة الدستور اللبناني التي تؤكد على المساواة التامة بين المواطنين في الحقوق والواجبات دون أي تمييز أو تفضيل. كما يتناقض بشكل جذري مع روحية اتفاق الطائف، الذي نصّ صراحة على حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية، ودعا إلى حلّ جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم أسلحتها ضمن مهلة زمنية محددة، تمهيدًا لبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها بواسطة قواتها الشرعية وحدها.

غير أن واقع الحال يُظهر عكس ذلك، لا يزال “الحزب” يحاول التسلّح والعمل خارج إطار الدولة، مستندًا إلى ولائه العقائدي والسياسي لإيران، وهو ما يضعه فعليًا في موقع “العميل” الخارج عن الإجماع الوطني، والعائق الأول أمام قيام دولة القانون والمؤسسات. ولا يكتفي الحزب بهذا الانحراف، بل يُجاهر ويفاخر بتلقيه الدعم المالي والعسكري المباشر من إيران، في انتهاك واضح لسيادة الدولة، وتكريسٍ لارتباطه بمشروع خارجي يتقدّم على المصلحة اللبنانية.

ثانيًا: مسؤولية “الحزب” عن الأحداث الأمنية الأخيرة

في الأيام الماضية، شهد لبنان تصعيدًا خطيرًا تمثل في إطلاق صواريخ من جنوبه باتجاه إسرائيل، أعقبته ضربات إسرائيلية مباشرة وصلت البارحة إلى استهداف الضاحية الجنوبية. ورغم نفي “الحزب” مسؤوليته، فإن الواقع الأمني في الجنوب لا يزال خاضع له ومن ضمن بيئته التي يسيطر عليها بقوة، ما يجعله المسؤول الفعلي أمام الداخل والخارج، شاء أم أبى.

إسرائيل، بدورها، وجدت في هذا التوتّر ذريعة لممارسة عنف مفرط، وصل إلى استهداف بيروت، في سابقة خطيرة لم تحدث منذ الحرب الأخيرة. وهنا، تحوّل “الحزب” من “حامٍ لبيئته” إلى عنصر استدراج للخراب، مع غياب كامل للدولة التي دُفعت لمواجهة دولية لا قدرة لها عليها.

ثالثًا: سلاح “الحزب” كذريعة دائمة لإسرائيل

رغم التآكل الكبير في قدراته الميدانية بعد حرب 2024، لا يزال “الحزب” يتمسك بسلاحه بوصفه أداة “مقاومة” وفقًا لسرديته. غير أن هذا السلاح، في الواقع، بات يشكل الذريعة الأكثر فاعلية لإسرائيل للاستمرار في خرق السيادة اللبنانية، وتوسيع نطاق غاراتها الجوية، وتعطيل مشاريع الدعم الدولي للبنان، وتثبيت صورة لبنان كدولة غير مستقرة تخضع لهيمنة ميليشيا مسلحة.

وقد شدّدت القرارات الدولية المتعاقبة، ولا سيّما القرار 1701 والقرار 1559 والقرار 1680، إلى جانب اتفاق وقف إطلاق النار الذي وافقت عليه الدولة اللبنانية رسميًا بعد الحرب الأخيرة، على ضرورة بسط سلطة الدولة اللبنانية الحصرية على كامل أراضيها، ومنع أي وجود مسلّح خارج إطار المؤسسات الشرعية، وضبط الحدود بشكل كامل لمنع التهريب وضبط مرور السلاح. إن الإصرار على الإبقاء على سلاح “الحزب” يُشكّل خرقًا صارخًا لهذه الالتزامات الدولية، ويفقد لبنان صدقيته أمام المجتمع الدولي، ويعطّل كل مسار محتمل للدعم أو الإنقاذ.

لقد تحوّل هذا السلاح، الذي يُفترض نظريًا أنه لحماية لبنان، إلى أداة تُستعمل لتبرير كل عدوان إسرائيلي، وكل ضغوط دولية، وكل عرقلة لأي مسار إصلاحي أو إنقاذي. وبالتالي، فإن استمراره بهذا الشكل، يُشكّل اليوم خطرًا بنيويًا على الكيان اللبناني لا يقل عن التهديد الخارجي نفسه.

رابعًا: استفزاز الداخل وتكريس التقسيم الواقعي

إن الخطاب التخويني الذي يعتمده “الحزب”، والممارسات الأحادية التي يفرضها على القرار الوطني، ورفضه المتكرر لأي نقاش سيادي جدي حول مستقبل السلاح والدولة، كلّها عوامل دفعت فئات واسعة من المجتمع اللبناني، لا سيما بعد الحرب الأخير، إلى إعادة النظر جذريًا في طبيعة العلاقة بين مكوّنات الوطن.

لقد بدأت تظهر بوضوح:

– دعوات متزايدة إلى اعتماد صيغ لامركزية موسعة كبديل عن الشلل المفروض.

– محاولات بعض الطوائف تعزيز أمنها الذاتي، في ظل غياب الدولة وعجزها عن حماية جميع المواطنين.

– تصاعد الأصوات المطالبة بعزل الحزب عن مفاصل الدولة ومنعه من الاستفادة من مقدّرات اللبنانيين المالية والاقتصادية تحت شعار “المقاومة”.

في هذا السياق، يُطرح سؤال وجودي أكثر من أي وقت مضى: هل ما يفعله “الحزب” اليوم يُعبّر عن مسار متدرّج نحو التقسيم، حتى وإن لم يُعلن ذلك صراحة؟ ألا نعيش واقعًا تقسيميًا فعليًا، يُفرض بحكم الأمر الواقع؟

خامسًا: الولاء لإيران واستعداء اللبنانيين

مع كل عدوان إسرائيلي على لبنان، أو كل أزمة داخلية تهز البلاد، يسارع “الحزب” إلى تثبيت ولائه العلني لإيران: رفع أعلامها، ترداد شعارات طائفية، واستحضار صور قادة المحور، حتى في عمق العاصمة اللبنانية بيروت، وفي قلب الضاحية الجنوبية المستهدفة مباشرة.

هذا المشهد لم يعد يُقرأ كرسالة سياسية عابرة، بل بات يُشكّل صدمة وطنية لدى معظم اللبنانيين، ويُعزز القناعة بأن الحزب هو مجرد امتدادًا فعليًا للمشروع الإيراني في لبنان، أكثر مما هو مكوّن وطني يعمل ضمن مصلحة لبنان العليا.

والنتيجة المباشرة لذلك واضحة ومؤلمة:

– تعمّق الشرخ الداخلي بين مكونات الوطن.

– تجمّد العجلة الاقتصادية بفعل عزوف الاستثمارات.

– تصنيف لبنان كدولة فاشلة مرتبطة بمحور خارجي.

– وأخيرًا، تعطيل أي إمكانية حقيقية للإصلاح الشامل أو لاستعادة الثقة الدولية.

إن هذا الاصطفاف العقائدي والسياسي الصريح مع دولة خارجية، يأتي دائمًا على حساب الهوية الوطنية، ويُعمّق عزلة لبنان عن محيطه العربي والدولي، ويجعل من مستقبل الدولة رهينة مشروع إقليمي لا يمتّ بصلة إلى آلام اللبنانيين وطموحاتهم.

سادسًا: “الحزب” والتقاطع الفعلي مع استراتيجية إسرائيل

في المفارقة التي تلامس حدود العبث، يتبدّى اليوم أن سلوك “الحزب”، رغم ادعاءاته بالمواجهة مع إسرائيل، يتقاطع بشكل مباشر مع جوهر الاستراتيجية الإسرائيلية التي عملت لعقود على تفتيت الكيانات الوطنية في المنطقة.

ففي حين تسعى إسرائيل إلى فرض شرق أوسط قائم على الكيانات الطائفية الهشة، يظهر “الحزب”، بسلوكه ومشروعه، كأحد أبرز أدوات هذه البيئة الانقسامية:

– يُرسّخ واقعًا طائفيًا مسلحًا في الداخل اللبناني.

– يُضعف الدولة المركزية ويقوّض وحدتها.

– يُغذي الخوف لدى المكوّنات الأخرى، فيدفعها نحو الانعزال أو الفدرلة.

– يقدّم لإسرائيل الذريعة السياسية والعسكرية لضرب لبنان بحجة مقاومة مزعومة خارجة عن الدولة.

وما بين إيران التي تدفع الحزب إلى مزيد من التشدد العقائدي والعسكري خدمةً لأجندتها الإقليمية، وإسرائيل التي تستثمر في هذا الانقسام لتسويق خطابها وتحقيق أهدافها، يتحوّل “الحزب” إلى حلقة مفصلية في حلقة الانهيار اللبناني.

بالمحصّلة، هو عميل مباشر لمشروع إيران، وعميل غير مباشر – وربما غير واعٍ – لمصلحة إسرائيل. فهو وإن قاتلها ميدانيًا، إلا أنه يخدمها استراتيجيًا عبر تدمير وحدة لبنان ونسف فكرة الدولة.

خارطة طريق لاستعادة الدولة:

إن الخروج من واقع الانهيار لا يمكن أن يتحقّق إلا عبر مسار وطني واضح، يستند إلى قواعد الشرعية والدستور، ويُترجم بإجراءات عملية متدرجة، تبدأ بـ:

1. تطبيق الدستور اللبناني نصًا وروحًا، لا سيما في ما يتعلّق بحصرية السلاح بيد الدولة، وفرض سيادة القانون على جميع الأراضي اللبنانية دون استثناء.

2. تنفيذ القرارات الدولية كاملةً، مع توسيع مهام الجيش اللبناني ليشمل السيطرة الفعلية على كامل الحدود، منعًا لأي تهريب أو خروقات تُهدّد الأمن الوطني وتُقوّض السيادة.

3. إقرار قانون وطني صارم، يُجرّم الانخراط العقائدي أو العملي في أي مشروع خارجي يتعارض مع الهوية الوطنية، ويمنع ازدواجية الانتماء السياسي أو العسكري تحت أي ذريعة.

4. إطلاق مسار حوار وطني سيادي، برعاية دولية داعمة، يهدف إلى رسم خارطة طريق واضحة لنزع السلاح غير الشرعي، وإعادة دمج كل المكونات ضمن كيان الدولة ومؤسساتها، على قاعدة الشراكة لا الهيمنة، والسيادة لا التبعية.

ختاماً، إن استعادة الدولة اللبنانية لا يمكن أن يتم في ظل وجود سلاح غير شرعي، ولا في ظل انخراط مكوّن داخلي في مشروع عقائدي مرتبط بدولة إقليمية، ولا في ظل تهديد دائم يفرضه طرف مسلح خارج الشرعية. إن مواجهة هذا الواقع تتطلب مقاربة وطنية شاملة، تستند إلى وضوح في الخيارات، وثبات في المبادئ، وإرادة سياسية غير خاضعة لمعادلات الأمر الواقع.

“الحزب”، بوضعه الحالي، لم يعد مجرد مكوّن سياسي بل تحوّل إلى معضلة بنيوية تهدد هوية الدولة ووحدة المجتمع. إنه يقوّض أسس السيادة، ويمنع الإصلاح، ويُضعف الدولة أمام الخارج والداخل على حد سواء.

إن تجاوز هذه المرحلة لا يتطلّب شعارات، بل خطوات مؤسساتية وسياسية صارمة، تبدأ بتحديد مكمن الخلل بوضوح، وتنتهي ببناء توازن وطني جديد يُعيد الاعتبار للدستور والمؤسسات، ويُخرج لبنان من منطق الرهينة إلى منطق الدولة.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل