في عالم تحكمه المصالح، تتلاشى الأوهام حول إمكانية تحقيق السلام. الحقيقة القاسية هي أن جميع الأطراف المنخرطة في النزاعات الكبرى في الشرق الأوسط ليست معنية بحلول وسط، بل تتمسك بمواقفها حتى النهاية. أمام هذا الواقع المشحون بالتوترات، يجد الرئيس الأميركي دونالد ترامب نفسه أمام تحدٍّ معقد، حيث لا أحد يبدي نية حقيقية للتوصل إلى تسوية.
بوتين وزيلينسكي.. حرب بلا تسوية
بات الصراع بين روسيا وأوكرانيا وجوديًا لكلا الطرفين. فلاديمير بوتين يرى أن خروج أوكرانيا من دائرة النفوذ الروسي يشكّل تهديدًا لأمن بلاده القومي، بينما يعتبر فولوديمير زيلينسكي أن أي تسوية تتطلب تنازلات تمثل إهانة لسيادة بلاده. لا يبدو أن أيًّا منهما مستعد لوقف إطلاق النار، إذ يراهن كل طرف على إلحاق الهزيمة بالآخر أو استنزافه في حرب طويلة الأمد.
إيران.. استراتيجية المماطلة
لا تسعى إيران إلى اتفاق حقيقي مع الولايات المتحدة، بل توظّف المفاوضات لكسب الوقت وتعزيز نفوذها العسكري والسياسي في المنطقة. أي محاولة جديدة من ترامب لإعادة التفاوض على الاتفاق النووي ستُواجَه بالمزيد من المراوغة والمطالب غير الواقعية، بينما تستمر طهران في تقوية أذرعها الإقليمية.
إسرائيل.. السلام ليس خيارًا
لا تبدي إسرائيل أي استعداد فعلي لإنهاء النزاع مع الفلسطينيين. فاستمرار الاستيطان في الضفة الغربية، وتصعيد العمليات العسكرية في غزة، ومحاولات تغيير الوضع القائم في القدس، كلها مؤشرات على أن تل أبيب تراهن على فرض الأمر الواقع بدلاً من تقديم تنازلات حقيقية. السلام، بالنسبة لإسرائيل، يعني تحقيق الأمن المطلق دون الالتزام بحقوق الطرف الآخر، وهو ما يجعل أي اتفاق دائم بعيد المنال.
“حركة ح”.. الانتصار أو لا شيء
في غزة، لا تبدو “حركة ح” مستعدة لأي حل سياسي، إذ ترى أن أي تسوية لا تحقق أهدافها الكبرى غير مقبولة. الحرب بالنسبة لها معركة مصيرية، ولا يمكنها القبول بأي هدنة لا تعتبر انتصارًا حقيقيًا، حتى لو كان الثمن المزيد من الدمار والمعاناة.
“الحزب” وحكومة بيروت العاجزة
ليس “الحزب” مجرد فصيل مسلح يمكن احتواؤه باتفاقات سياسية أو قرارات دولية. سلاحه ليس ورقة تفاوض، بل هو جوهر وجوده. لن يتراجع إلى شمال الليطاني، ولن يتخلى عن سلاحه طوعًا، بينما تظل الحكومة اللبنانية عاجزة عن فرض سيادتها على قراراته أو تحركاته.
مصر وقطر.. وسطاء غير محايدين
تلعب مصر وقطر دور الوسيط في أزمات المنطقة، لكنهما ليستا محايدتين. فلكل منهما حساباته وأجنداته الخاصة التي تجعل من وساطتهما عاملاً إضافيًا لاستمرار النزاعات بدلاً من حلها. فمصر توازن بين مصالحها الأمنية والاقتصادية، بينما تستخدم قطر نفوذها السياسي لخدمة استراتيجياتها الإقليمية.
ماذا سيفعل ترامب؟
يواجه ترامب مشهدًا دوليًا معقدًا، حيث لا يبدو أن هناك طرفًا مستعدًا للتنازل. سيكون عليه الاختيار بين التصعيد الحاد أو الانسحاب الفوضوي، وكلا الخيارين يحمل تداعيات خطيرة.
الحقيقة المُرّة أن لا أحد يريد السلام، والسؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه: أي حرب ستندلع أولًا؟.

