
كم يبدو سمير جعجع واثقًا ومرتاحًا عندما يقيّم التطورات المتلاحقة منذ حرب غزة وحتى اليوم، والتي التقت مع رؤيته لها، بعد طول تشكيك بتوقعاته واستغراب لقراءته المتمايزة عن رأي الأكثرية الساحقة من السياسيين والمحللين والمنظرين.
عندما كان سمير جعجع يردد في مناسبات عدة “ما بيصح إلا الصحيح”، وعندما توقع سقوط بشار الأسد عاجلا أم آجلا، وعندما كان يؤكد أن لا خلاص للبنان إلا بالدولة على حساب الدويلة، كان الكثيرون يأسفون أو يستخفون أو يستهجنون المنطق الذي يسوّقه، معتبرين أنه يراهن على أوهام ومستحيلات.
لكن الوقائع أثبتت تباعًا أن رئيس حزب “القوات اللبنانية” كان على حق، وأن القوات بمختلف المواجهات التي خاضتها والتي بدت غير متكافئة في معظمها كانت على حق، بل إن ثمة قلّة في بيئة القوات كانت تعجب أحيانًا ويعتريها بعض الشك، لخشيتها من خيبة أو خسارة، لكنها سرعان ما تستعيد ثقتها، على غرار تزعزع إيمان بطرس الذي بات لاحقًا “الصخرة التي سأبني عليها كنيستي وأبواب الجحيم لن تقوى عليها”، كما قال له يسوع.
في مختلف اللقاءات والاحتفالات، يحرص سمير جعجع على التأكيد أن ثوابت القوات لم تتغيّر منذ نحو أربعين عامًا على الأقل في السياسة ومنذ أكثر من ذلك في المبادئ العامة، بينما العديد من أهل السياسة تغيّروا والكثير من الأحزاب والقوى السياسية وحتى الدول تغيّرت، وبعضها كان في مواجهة جدية وقاسية أحيانًا مع القوات، فزالت أو انتقلت الى مواقع أخرى، لأنها إما أخطأت في الحسابات، أو توّرطت في الارتكابات طمعًا بسلطة ومكسب.
ولا يخفي “الحكيم” أن القوات تحصد اليوم على مختلف الصعد ثمار نضال مريرٍ وصعب وطويل ولم يخلُ من عثرات بسبب الخشية من مواقفها المبدئية وانسجامها مع قناعاتها، ومع ذلك لم تساوم أو تنصرف الى الصفقات والمقايضات، أو تتخلّى عن ثوابتها، وإذ بالتحوّلات الجذرية الحاصلة توفيها حقها، انطلاقًا من معادلة “ما بيصح إلا الصحيح”. ففي الاستحقاقات الديموقراطية تتقدم ومن بعيد، لا سيما في الانتخابات الطالبية في الجامعات، وفي الانتخابات النقابية على أنواعها، مع الملاحظة أن قوى سياسية من مواقع متناقضة كليًا التقت على مخاصمة “القوات” لمنعها من الفوز أحيانًا. أما نيابيًا فتمثل القوات التكتل الأكبر على الإطلاق وطنيًا ومسيحيًا، وقد أثبت هذا التكتل حضوره وتماسكه، ليتبلور الثقل القواتي في الحكومة الحالية، على الرغم من محاولات استبعادها أو تحجيم مشاركتها في الحكومة، علما أن أداء الوزراء اليوم وبعد فترة وجيزة من تسلّمهم حقائبهم بدأ يثمر تنويهًا وتقديرًا، ولو أن بعض الأصوات الممانعة أو التي تحن الى الماضي القريب الملوّث بالفساد والفظائع، تحاول التصويب على هذا الوزير أو ذاك.
وما يؤكد على صوابية الخيارات القواتية هو ظاهرة لافتة، إذ لا يمر يوم إلا وتتلقى “القوات اللبنانية” وعلى مختلف المستويات وفي مختلف الشؤون العامة، مراجعات وشكاوى وطلبات وحتى استشارات حول هذه المسألة أو تلك، لدرجة يستدعي الأمر مع الترحيب، لفت النظر إلى أن “القوات” ليست الدولة سواء على مستوى القرار أو على مستوى الخدمات والتمويل، لكنها تساعد وتساهم في معالجة الأمور ما أمكن، وضمن الحرص على الشفافية والنظافة وبعيدا من الاستنساب والمحسوبيات.
أما في الشأنين الوطني والسياسي بحد ذاتهما، فإن الإشارات المعبّرة كثيرة لجهة الاعتراف بتقدم “القوات” وقوَّة حضورها وموقعها، وليس أدل على ذلك إلا الإفطار الأخير في معراب والمشاركة الاستثنائية غير المسبوقة، إن على الصعيد الدبلوماسي بوجود سفراء وممثلي أبرز الدول العربية والإسلامية على غرار سفراء المملكة العربية السعودية ومصر وتركيا وباكستان، وبضعة عشر آخرين، مرورًا بالتمثيل الروحي والديني لمفتي الجمهورية وشيخ العقل ومفتي المناطق وأكثر من شخصية روحية شيعية من خارج الثنائي، إلى الحضور السياسي بوجود نائب رئيس الحكومة وعدد من الوزراء يتقدمهم وزير الداخلية ، فضلًا عن وزراء “القوات”، وحشد كبير من النواب الحاليين والسابقين والسياسيين وممثلي الأحزاب، ورؤساء المؤسسات العامة والمدراء العامين، وجلّهم من الطوائف الإسلامية الكريمة.
ولعل مشاركة الدكتور سمير جعجع في إفطار دار الفتوى كانت الأكثر إثارة للاهتمام الى جانب حضور رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون، وللتأكيد مجددًا على التقدير والاحترام اللذين يحظى بهما رئيس “القوات” لدى الجناح الآخر من الوطن ولدى الدول العربية، لا سيما وأنه يحرص على علاقات ترتكز الى الاحترام المتبادل ونوع من الندية، انطلاقًا من أن “القوات اللبنانية” لا تريد شيئًا لنفسها بل لمصلحة لبنان السيد الحرّ المتنوّع.
وأكثر ما يؤكد على أن معراب باتت مرجعية يصعب تجاوزها، هو أن “القوات اللبنانية” ومن دون أي افتعال أو اتفاق، تشكل اليوم أحد الأركان الثلاثة في سيبة الحكومة، إلى جانب رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ومن يمثل، في ما يشبه الرد على السيبة الثلاثية السابقة التي كانت ترتكز الى الثنائي الشيعي والتيار الوطني الحر، والتي قادت البلاد طويلًا حتى وصولها الى الحضيض، لا بل نجحت أحيانًا في جرّ بعض الخصوم إلى فخ المحاصصات والصفقات.
وما أكسب “القوات” على خط آخر صدقية كبيرة على الصعيد الخارجي والدبلوماسي، هو المواقف الصريحة التي عبّرت عنها من خلال رئيسها بشكل خاص في لقاءاته واتصالاته، لجهة رفض التسويات الجائرة وذات الطابع المصلحي الضيق، على غرار “اللا” الشهيرة التي قالها سمير جعجع مباشرة عبر الهاتف للرئيس ماكرون حول تشكيل الحكومة في إحدى المراحل، وعلى غرار اقتناع الأميركيين بضرورة الحوار مع المعارضة على خلفية الحرب بين إسرائيل ومحور الممانعة، وعلى غرار دفع اللجنة الخماسية الى التخلّي عن الرمادية في مسألة انتخاب رئيس للجمهورية ورفض وصول رئيس يرشحه الفريق الممانع تحت عنوان المرشح التوافقي.
وهذا الأداء المتمايز والصريح، يذكّر بموقف سمير جعجع من اتفاق الدوحة عندما كان الوحيد الذي وقعه بتحفظ، وبموقفه عشية ثورة 17 تشرين 2019 عندما دعا الى استقالة الحكومة وتشكيل أخرى من المستقلين والتكنوقراط لتدارك الأدهى.
كل تلك المواقف تُبيِّن أن “القوات” كانت على حق، وهذا ما أدركه كثيرون بعد طول إنكار أو تغاض، وصولًا إلى المرحلة التحضيرية الحالية لاستحقاق الانتخابات البلدية والاختيارية وبعدها استحقاق الانتخابات النيابية. ولعل ما كان صعبًا أو مستبعدًا في السابق بات مطلوبًا، وهذا ما تعكسه الاندفاعة نحو معراب والتحالف من دون شروط متبادلة مع “القوات اللبنانية” على الصعيد البلدي، على غرار ما هو حاصل بالنسبة لبلدية جونية وسائر بلديات كسروان الفتوح وبلدية جبيل وبلديات زغرتا الزاوية وفي مناطق عدة أخرى، مع التأكيد على تحالف واسع وشامل مع حزب الكتائب اللبنانية لأول مرة منذ فترة طويلة.
ومن المسلَّم به أن الاتنخابات النيابية المقبلة ستصب في خانة تكريس الواجهة القواتية السيادية، على قاعدة تقدير الأداء الشفاف والمرتبط بالثوابت والمبادئ، مع استعداد “القوات” لاتخاذ أي موقف خارج الإطار التقليدي عندما تجد أي خلل أو تقع على أي ممارسة لا تلتقي مع قناعاتها. فما يصح في مكان وزمان يصح في مكان آخر وزمان آخر، طالما أنه يمتّ إلى القيم والثوابت ولو اختلفت التفاصيل.
كتب أنطوان مراد في “المسيرة” ـ العدد 1763
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com
