بعد أحداث 11 أيلول من العام 2001، دخل العالم مرحلة جديدة من التحالفات والصراعات، وكان من أبرز نتائجها إعادة تشكيل ميزان القوى في الشرق الأوسط. اتجهت الولايات المتحدة الأميركية والغرب عمومًا إلى استراتيجية غير تقليدية في تعاملهم مع المنطقة، فبدلًا من دعم القوى السُّنية التقليدية، قرروا الاعتماد على الشيعية السياسية كأداة لتفكيك الدول العربية وتحجيم دورها الإقليمي.
كان هذا التحول بداية لصعود الدور الإيراني، حيث فُتحت أمام طهران أبواب النفوذ على مصراعيها. فمن العراق، الذي سُلِّم على طبق من ذهب بعد الغزو الأميركي في العام 2003، إلى سوريا حيث دعمت نظام الأسد، مرورًا بلبنان عبر “الحزب”، واليمن عبر الحوثيين، تمددت إيران بثبات، واستثمرت في الفوضى وتفكك الدولة لتعزيز نفوذها.
الدعم الغربي غير المباشر
لم يكن هذا التمدد ممكنًا لولا التغاضي الغربي – بل وأحيانًا الدعم المباشر وغير المباشر – للدور الإيراني، بحجة محاربة “التطرف السني” وتمكين “قوى معتدلة”. لكن ما حدث هو أن المشروع الإيراني الطائفي وجد في هذا الفراغ فرصة ذهبية لبناء هلاله الشيعي الممتد من طهران إلى بيروت.
فقدت الدول العربية المركزية قوتها، وتحولت إلى مساحات مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، بينما رسّخت إيران أذرعها العسكرية والسياسية والإعلامية في المنطقة، واستثمرت في الحروب والميليشيات بدلًا من الدولة والتنمية.
نقطة التحول: من الصعود إلى الأفول
غير أن هذا الصعود لم يكن بلا ثمن. تراكمت الأخطاء، وبدَّدت إيران أموالها وأموال العراق الذي هيمنت عليه، في الاستثمار في الحروب والفوضى، وارتكبت مجازر طائفية في كل من سوريا والعراق، إلى أن جاءت الضربة القاتلة: عملية “طوفان الأقصى” التي أطلقتها “حركة ح” في 7 تشرين الأول من العام 2023. وعلى الرغم من أن إيران حاولت الظهور بمظهر الداعم للمقاومة، فإن الواقع كان مختلفًا.
العملية أربكت الحسابات الإيرانية، وفضحت محدودية قدرتها على إدارة المشهد الفلسطيني المعقّد. فطهران لم تكن على استعداد لدخول مواجهة شاملة مع إسرائيل، وفي مزيد من التهور، أدارت أذرعها لمواجهة غير مباشرة مع إسرائيل، ما أسفر عن سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، وتلقّي “الحزب” ضربة قوية أفقدته معظم قدراته.
وفوق ذلك، أدت العملية إلى تغيير المزاج الدولي، خصوصاً الغربي، تجاه إيران. فلم يعد يُنظر إلى طهران كحليف “براغماتي” أو كقوة “مضادة للإرهاب”، بل كدولة راعية للفوضى وعدم الاستقرار، ما فتح الباب أمام إعادة تقييم شاملة للدور الإيراني.
أفول الدور الإيراني
اليوم، تُظهر المؤشرات أن الدور الإيراني في تراجع واضح. الضغوط الاقتصادية المتزايدة، والتململ الشعبي داخل إيران، وتصاعد التوترات مع الأذرع التابعة لها، وانكشاف المشروع الإيراني في المنطقة، كلها عوامل تساهم في هذا الأفول.
حتى حلفاء طهران باتوا يعيدون حساباتهم. العراق يشهد تحولات داخلية تدعو إلى التحرر من الوصاية الإيرانية، والنظام السوري الحليفُ لإيران سقط، وتحولت العلاقة مع طهران إلى عداء واضح، بينما يتزايد الضغط الإقليمي والدولي على “الحزب” في لبنان بعد أن تلقى ضربة إسرائيلية موجعة قضت على قسم كبير من قياداته ومخازن سلاحه. أما الحوثيون، فيتلقون ضربات جوية عنيفة من الجيش الأميركي، وتحولوا إلى ورقة قابلة للاحتراق في أي لحظة ضمن تسوية إقليمية كبرى.
الدور الإيراني، الذي صعد على أنقاض الدول العربية بعد 11 أيلول، بدعم مباشر من الغرب، يترنّح اليوم تحت وطأة أخطائه وتناقضاته، وبدلًا من أن يستغلّ الظروف ليكون لاعبًا دائمًا، قد يتحول إلى مجرد تفصيل عابر في مرحلة انتقالية من تاريخ المنطقة، تُعاد فيها صياغة التحالفات والتوازنات على أسس جديدة.

