#dfp #adsense

من يحترم السيادة يحترم الحدود.. عودوا إلى محاضر التحديد والتحرير!

حجم الخط

بين الأمل والتوجّس تتراوح انتظارات وهواجس اللبنانيين. فخطاب العهد أحيا الأمل بعودة الوطن إلى قلب الدولة، وتعزّز هذا الأمل بخطاب التكليف والبيان الوزاري، إلى أن بدأ الضوء يخفت مع اشتعال الجبهات الحدودية تارة في الجنوب وأخرى على الحدود الشمالية الشرقية، مما يعيد إلى الواجهة مسألة ضرورة ترسيم الحدود في وطن تتشابك فيه الجغرافيا مع التاريخ.

ليست الحدود البرية مجرّد خطوط مرسومة على الخرائط، بل شاهد على صراعات الماضي وتحديات الحاضر وحكايات حفرها الأجداد حقوقًا في الأرض، وهوية تمتد بامتداد السهول والجبال. من هنا ليس ترسيم الحدود مجرّد إجراء قانوني أو تقني، إنما تأكيد على السيادة، وحماية للحقوق، وترسيخ للاستقرار في وطن عانى الكثير من النزاعات والتجاذبات. مع تجدد الجدل حول هذه المسألة، يصبح السؤال أكثر إلحاحا: كيف نحمي أرضنا وحدودنا في ظل التغيّرات الإقليمية والتحديات الجيوسياسية؟

لعقود، ظلت الحدود الشمالية بين لبنان وسوريا غير واضحة المعالم، ما أدى إلى تعقيدات في مسائل الأمن، والتنمية الاقتصادية، وإدارة الموارد الطبيعية، زد على ذلك أنها تحولت إلى معابر للفساد والتهريب وأوكار لعشائر دويلة “حزب الله”. إلا أن أهمية الترسيم تتجاوز البعد الجغرافي، فهي تمسّ المشاعر الوطنية والانتماء، وتعكس الرغبة في بناء علاقات قائمة على الاحترام المتبادل والوضوح والتفاعل بين دولتين. وفي ظل التغيّرات الإقليمية والتحديات المتزايدة، أصبح ترسيم الحدود ضرورة لتعزيز التعاون بين لبنان وسوريا، وضمان حقوق الطرفين في أراضيهما ومواردهما. وهذه الخطوة إذا ما تحققت النوايا، لن تكون مجرّد عملية فصل بين دولتين، بل فرصة لتنظيم العلاقة بينهما على أسس واضحة، بعيدًا من الالتباس الذي طالما غذّى التوترات وسوء الفهم. بمعنى أوضح هو بداية لمرحلة جديدة، يكون فيها الحوار القانوني والدبلوماسي أداة لحل الخلافات، بدلًا من ترك الأمور معلّقة في ضباب السياسة وتقلباتها.

تضاربت الروايات حول خلفيات المواجهات التي شهدتها الحدود اللبنانية السورية في الأيام القليلة الماضية من تصعيد أمني خطير، حيث اندلعت مواجهات مسلّحة بين الجيش السوري التابع لإدارة سوريا الجديدة  و”حزب الله”، ثم تطوّرت إلى قصف متبادل بين الجيش السوري ونظيره اللبناني، ويُرجع بعض المحللين السياسيين خلفيات الاشتباكات إلى تعقيدات الملف الحدودي بين البلدين بدءًا من مسألة التداخل الجغرافي مع وجود 12 قرية لبنانية داخل الأراضي السورية، وجميع سكانها من اللبنانيين الشيعة، وما يحصل اليوم من اشتباكات بين أبناء هذه القرى وقوات تابعة للإدارة السورية الجديدة يهدف إلى إعادة ترتيب الأمر ووقف عمليات التهريب التي نشطت في عهد النظام السوري السابق ويجب حلّها بالتفاوض والحكمة.

أيضا هناك طبيعة الأرض التي تتكوّن من جبال وأودية وسهول من دون علامات أو إشارات تدل على الحد الفاصل بين البلدين، اللذين يرتبطان بستة معابر حدودية برية على طول نحو 375 كيلومترًا.

قبل تغيير النظام في سوريا كان الكلام عن الحدود الشمالية بين لبنان وسوريا محصورًا بعمليات تهريب الكبتاغون من الجانب اللبناني الى سوريا ومنها الى دول الخليج والدول العربية والمملكة العربية السعودية، مما خلق أجواء مشحونة بين لبنان وهذه الدول التي كانت تطالب بضبط الحدود ووقف عمليات التهريب عبر المعابر غير الشرعية من خلال “الحزب”.

كما شمل التهريب أيضًا البشر والمحروقات وصولا إلى السلاح. إلا أنه مع التغيير الذي بدأ مع سقوط نظام الأسد وتولّي أحمد الشرع قيادة الإدارة السورية الجديدة تغيّر الكلام. فالجيش اللبناني الذي اتخذ نقاط تمركز نتيجة تصاعد حدة الاشتباكات عكس أجواء من التفاؤل، علما أن ما يحصل في القرى اللبنانية المتداخلة مع سوريا يتطلّب إعادة خلط الأوراق والتفاوض مع الجانب السوري على قواعد جديدة. إذًا ما هو مطلوب من العهد الجديد أكثر من قرار بنشر الجيش اللبناني وامتصاص حماوة الاشتباكات التي تقع من حين إلى آخر، المطلوب إرادة سياسية.

الثابت أن الاشتباكات الأخيرة التي اندلعت على الحدود الشمالية وجُمِّدت مفاعيلها بفعل انتشار الجيش اللبناني ودخوله قرية حوش السيد علي المتداخلة مع سوريا، إلا أن الفتيل لا يزال قابلا للاشتعال في ظل الحديث عن الحدود البريَّة المتداخلة بين لبنان وسوريا، ونقاطها الضائعة، من تلال كفرشوبا وشبعا جنوبًا، إلى السلسلة الشرقيَّة حيث تبدأ النقاط الخلافية هناك من قرى قضاء الهرمل مرورًا ببلدات القاع، رأس بعلبك، عرسال وصولًا إلى بلدة معربون، ما يتسبب بخلافات ومشاكل تؤدي إلى سقوط قتلى في صفوف المدنيين وشهداء في الجيش اللبناني.

وليس خافيًا أن ملف ترسيم الحدود بين لبنان وسوريا، خصوصًا في الشمال شائك ويعود إلى فترة ما قبل استقلال البلدين، لكنه بقي معلقًا في كثير من جوانبه حتى اليوم. فبعد إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920، رسمت سلطات الانتداب الفرنسي حدودًا إدارية بين لبنان وسوريا، لكنها لم تكن حدودًا دولية نهائية. وشهدت بعض المناطق مثل وادي خالد، وقرى في قضاء الهرمل وعكار، تداخلًا سكانيًا بين البلدين، ما جعل مسألة ترسيم الحدود أكثر تعقيدًا.

المسألة ليست معقدة تقنيًا وفق المؤرخ والباحث اللبناني المتخصص في قضايا الحدود الدكتور عصام خليفة، ويعتبر أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب الإرادة السياسية، خصوصًا من الجانب السوري. ويشير إلى أن عملية تحديد الحدود بدأت منذ العام 1920 خلال فترة الانتداب الفرنسي، وتم تحقيق تقدم كبير في هذا المجال، إلا أن الترسيم النهائي لم يكتمل بسبب تراجع الجانب السوري عن الاتفاقات المبرمة.

آخر اتفاق ترسيم الحدود للبرية بين لبنان وسوريا حصل عام 1967 وذهب إلى اعتماد حدود خراجات القرى، لكنه لم يحل الخلاف على 36 نقطة حدودية، لأن المشكلة دائمًا كانت أن النظام السوري السابق لم يكن يعترف بلبنان أصلًا، بل اعتبره على الدوام أرضًا سُلِخَت منه ويجب استعادتها.

من هنا إصرار خليفة على العودة إلى محاضر التحرير والتحديد. “فعندما تم تعيين قاضيين عقاريين لبناني وسوري للنظر في القضيَّة، حققا عدة نجاحات وتفاهمات مثل نقاط عين القبو وبئر جْبَيْب في السلسلة الشرقيَّة لكن في كل مرة كان النظام السوري يتراجع مرة تحت ذريعة المياه ومرة بعدم الوضوح وأحيانا بحجة الخلاف على الجهة التي ستتكفل بدفع بدل أتعاب العاملين.

تتحدث محاضر التحديد والتحرير على أنه مقابل كل قرية لبنانية وأخرى سورية هناك ملفات لدى الدولتين بحوزة القاضي العقاري اللبناني من جهة والسوري من جهة أخرى، توضح خط الحدود الأولي، على رغم عدم إرسال محضر نهائي للأمم المتحدة، إلا أنها باتت معروفة.

كما تتضمن معلومات مفصلة حول الحدود، منها تحديد النقاط الحدودية باستخدام خطوط الطول والعرض والمعالم الطبيعية كمثل استخدام الأنهار، والجبال، والتلال والمعالم الاصطناعية، واستخدام الطرق والجسور، والمعالم البشرية الأخرى كنقاط مرجعية، المناطق والقرى المحاذية للحدود لتجنّب أي التباس، وتواقيع الممثلين الرسميين للدول المعنية للمصادقة على المحاضر. وتُعتبر هذه المحاضر مرجعًا قانونيًا يُستند إليه في حال نشوء أي نزاعات حدودية مستقبلية بين الدول. لكن يبقى الأهم وفيه أن القرار 1701 ينص على ترسيم الحدود مع سوريا، من هنا ضرورة الإسراع بالتزامات الدولة اللبنانية تطبيق القرار 1701.

من يحترم السيادة يحترم الحدود. فالسيادة هي جوهر الدولة والحدود تحدد الدولة. كلام لا يقبل الشك والمساءلة، انطلاقًا من ذلك يمكن وضع عملية ترسيم الحدود البرية في سلم الأولويات وليس الأمر بالمعقد، إذ إنه يتطلّب تشكيل لجان مشتركة تضم مسّاحين ومهندسين وخبراء من لبنان وسوريا والاعتماد على الخرائط والإفادات العقارية المتوفرة في دوائر البلدين، أضف إلى ذلك أن الحدود اللبنانية السورية تمتد على مسافة 375 كيلومترًا، والدستور اللبناني يحدد هذه الحدود بشكل عام، لكن لم يتم ترسيمها بدقة على الأرض، مما أدى إلى مشاكل وتداخلات في بعض المناطق”.

ثمة عوامل تحول دون إحراز تقدم سريع في عملية ترسيم الحدود الشمالية، إلا إذا تغيّرت الظروف السياسية أو حصلت تسويات إقليمية ودولية تفرض ذلك. لكن أيضا ثمة إرادة سياسية كفيلة بتجاوز كل هذه العوائق، والظاهر أنها لا تزال مجرد نوايا لا يمكن البناء عليها.

 

كتبت جومانا نصر  في “المسيرة” ـ العدد 1763

إقرأ أيضًا

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل