صحيفة نداء الوطن – مروان الأمين
منذ إعلان وقف إطلاق النار وانتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل الحكومة، ولبنان لا يزال عالقاً في مرحلة انتقالية مُعقّدة بين مرحلتين، بحيث لم يتخلّص بالكامل من المرحلة السابقة حين كانت بيروت إحدى العواصم الساقطة بيد الحرس الثوري الإيراني، ولم يدخل بشكلٍ كاملٍ في المرحلة الجديدة التي عهِدها الرئيس جوزاف عون للبنانيين في خطاب القسم، وأكّد عليها الرئيس نواف سلام في البيان الوزاري وخلال مقابلاته الإعلامية.
هذه المراوحة في منزلة بين مرحلتين تتسبّب فيها معضلتان رئيسيتان تعيقان الخروج منها.
أولى المعضلتين، هي أن “الحزب” ومعه إيران يرفضان الإقرار بالهزيمة المدوّية التي مُني بها محور الممانعة، سواء في غزة أم في لبنان، وأن مشروع وحدة الساحات أثبت فشله، كما أن محورهما في المنطقة قد انهار مع اغتيال السيّد نصراللّه، والذي تبيّن أنه بشخصه كان الركيزة الأساسية والوحيدة لهذا المحور. هذه المكابرة عن الاعتراف بالهزيمة هي التي تدفع إيران إلى رفض تسليم سلاح “الحزب” للدولة اللبنانية، رغم ما يترتب على ذلك من تداعيات أمنية وعسكرية بفعل اتخاذ إسرائيل من ذلك ذريعة لاستمرار استهداف الأراضي اللبنانية واحتلال جزء من الجنوب. كما يتسبّب تمسّك “الحزب ” بالسلاح في عدم حصول لبنان على مساعدات وحرمان الناس في الجنوب والضاحية والبقاع من تعويضات إعادة الإعمار.
من الواضح أنّ طهران تعتقد واهمة أنها تستطيع استخدام ما تبقّى من منظومة “الحزب” العسكرية لتحسين شروطها في مفاوضاتها مع واشنطن. وأيضاً، تراهن واهمة على تغيّرات مستقبلية قد تُتيح إعادة ترميم “الحزب”، وبالتالي استعادة نفوذها في لبنان.
المعضلة الثانية، هي أنّ السلطة السياسيّة اللبنانية تُعاني من قصور في استيعاب عمق هزيمة “الحزب”، وفي الإحاطة بالمقاربة الإسرائيلية المُستجدّة بعد عملية 7 أكتوبر/ تشرين الأول للتهديدات الأمنية التي تتربّص بها. فهي، أي السلطة السياسية، لا تتعامل بالحزم والمسؤولية اللازمة مع موضوع سلاح “الحزب”، كما أنها لا تدرك حجم المخاطر التي قد تنجم عن استمرار تسليم الدولة بوجود الدويلة، مُعتقدة أن سياسة “الترقيع” وتدوير الزوايا التي اعتُمدت في المرحلة السابقة، خاصّة بعد حرب تموز 2006، يمكن الاستمرار بها بعد 7 تشرين الأول والحرب الأخيرة.
بين هاتين المعضلتين لا تزال إسرائيل تحتلّ أرضاً في الجنوب، بينما تبدو الآمال بالحصول على مساعدات لإعادة الإعمار معدومة. في الوقت نفسه، تواصل تل أبيب استهداف البنية التحتيّة العسكرية لـ “الحزب” من الجنوب إلى البقاع الشمالي.
وجاء إطلاق الصواريخ من الأراضي اللبناني ليؤجج التصعيد، إذ عاد إلى المشهد الإنذار بالإخلاء وحالة الهلع بين الناس الذي يسبق استهداف مخازن أسلحة ومقار تابعة لـ “الحزب” في الضاحية الجنوبية، كما شهدت الضاحية عودة عمليّات اغتيال قادة من “الحزب”.
وسط تنكّر طهران للهزيمة وتمسّك “الحزب” بسلاحه، بالتوازي مع عجز السلطة السياسيّة عن اتخاذ القرارات التنفيذية لخطاب القسم والبيان الوزاري، يجد لبنان نفسه في مواجهة واقع معقّد، يهدّد بإعادة سيناريو جولات العنف بوتيرة أسرع وأكثر خطورة، ما قد يفتح الباب أمام اندلاع حرب جديدة في ظلّ غياب أي بوادر لحل سياسي لسلاح “الحزب”.