.jpg)
ثمة نظرية “معتورة” بدأت تتسلل من بعض الدوائر ويطلق عليها أصحابها اسم “نظرية القضم”، تعمل على تجميل ما يظهر من تراخٍ بشكل ما، بدأ الكثير من اللبنانيين يعبّرون عن امتعاضهم تجاهه وتراجع الثقة لديهم من خلال مختلف وسائل التواصل الاجتماعي، أو على الأقل ما يظهر من تساهل أو تردد أو تباطؤ وعدم الاندفاع بالسرعة المطلوبة وبالمستوى المطلوب، لتطبيق القرار 1701 بكامل مندرجاته، بما فيها القرار 1559 والمتعلق بنزع سلاح كل الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية، والمقصود بالدرجة الأولى سلاح “الحزب”.
مفاد “نظرية القضم” المعتورة هذه، أنه ربما يجب أن ننفّذ القرار 1701 لجهة نزع سلاح “الحزب”، كما يطلب القرار ويشدد عليه المجتمع الدولي والدول العربية فضلاً عن الغالبية الساحقة من اللبنانيين، على الطريقة إياها التي مارسها “الحزب” منذ نشأته وانطلاق مشروعه الإيراني للسيطرة على لبنان وجعله جزءاً لا يتجزأ من الجمهورية الإسلامية في إيران.
المقصود بذلك، وفق أصحاب “نظرية القضم”، هو تنفيذ القرار 1701 بكامل مندرجاته وبما يؤدي في النهاية إلى نزع سلاح “الحزب” بطريقة القضم، تماماً كما نفَّذ “الحزب”، ومن خلفه إيران، مخطط السيطرة على الدولة اللبنانية والهيمنة على قرارها وسيادتها وإلحاق لبنان بالمحور الإيراني، عن طريق القضم البطيء التدريجي لمختلف مفاصلها ومواقعها على مدى أكثر من 40 عاماً، وكاد ينجح في تحقيق مخططه لولا قلة قليلة سيادية لبنانية صافية وقفت وقاومت وصمدت في وجه مخطط “الحزب”، وشكّلت نواةً صلبة تجمّع حولها وانضم إلى مقاومتها غالبية اللبنانيين الذين باتوا قاب قوسين أو أدنى من إسقاط مشروع “الحزب” الإيراني بفعل صمودهم وتضحياتهم.
أصحاب “نظرية القضم” لا يفوتهم ربطها بالاحتلال السوري للبنان والتي نفَّذها النظام السوري البائد منذ انقلاب حافظ الأسد وسيطرته على سوريا مطلع سبعينيات القرن الماضي، وبدئه بتنفيذ مخططه للتدخل في لبنان بهدف السيطرة عليه عن طريق القضم التدريجي، وصولاً إلى القبض بشكل كامل على الدولة اللبنانية منذ مطلع التسعينيات، بتراخٍ أو غضّ نظر دولي حكمته المصالح، إلى أن أُخرج من لبنان في نيسان العام 2005 كما بات معلوماً، بعد المقاومة الشرسة التي أبدتها القوى السيادية وفي مقدمتها القوات اللبنانية، وانتفاضة 14 آذار، وحالة الضعف التي أصبح عليها النظام السوري بظل بشار الأسد المخلوع أخيراً، وتغيّر الظروف والمناخات الدولية.
مسوّقو “نظرية القضم” يعتبرون أن الأوضاع تتشابه اليوم، فالمناخات الدولية تغيّرت والتساهل مع إيران ومهادنتها وغضّ النظر عن مشروعها التوسعي في المنطقة لم يعد سائداً، بل على العكس، إيران اليوم ربما هي في عنق الحصار الأشرس منذ عودة دونالد ترامب للتربّع على “عرش” البيت الأبيض، والذي يخيّرها بين إنهاء برنامجها النووي والصاروخي ووقف دعم أذرعها التي زرعتها في المنطقة، وبين تلقِّي ضربة لم يشهدها العالم من قبل، فيما هو يحشد الأساطيل وحاملات الطائرات والبوارج الحربية وقاذفات القنابل الاستراتيجية في المنطقة لتأكيد جدية تحذيراته لطهران.
واستطراداً، بحسب أصحاب “نظرية القضم”، القرار الدولي حاسم لناحية تحجيم إيران وإنهاء ميليشياتها وأذرعها المسلحة في المنطقة، من غزة إلى اليمن والعراق وسوريا ولبنان. ومعلوم أن “الحزب” هُزم هزيمة نكراء في الحرب التي تورّط بها لإسناد غزة، والخسائر التي لحقت به كارثية وساحقة، يكفي أنه خسر أمينه العام الذي لن يتكرر لأسباب عدة، وهو بات عاجزاً عن المبادرة ولا يجرؤ حتى على مواجهة بيئته المدمرة بالحقيقة، ويحاول التنصل من مسؤوليته المباشرة عن قراره الأرعن بإطلاق الحرب واستجلاب الرد الإسرائيلي الصاعق فيما كانت غالبية اللبنانيين ومعهم العالم أجمع ينصحون ويناشدون بعدم التورط، بالإضافة إلى وعوده بالإعمار فيما يرمي المسؤولية اليوم عن ذلك على الدولة التي لم تأخذ قرار الحرب!.
بالتالي، ما يحاول المتذاكون بنظرية القضم قوله، هو أنه من المفيد ربما تطبيقها لنزع سلاح “الحزب” وتنفيذ القرار 1701. فعاجلاً أم آجلاً، إمّا ترضخ إيران لشروط ترامب لتجنُّب الضربة الكبرى التي تهدّد النظام وتضع وجوده بالذات على المحك، وإمّا تعاند وتكابر فتأتي الضربة الساحقة الماحقة التي لم يشهدها العالم من قبل كما قال ترامب وتُنهي بنتائجها النظام وتأخذ بطريقها أذرعه وننتهي من سلاح “الحزب”.
لكن ما يفوت المتذاكين أصحاب “نظرية القضم” هؤلاء، أنه، وبغضّ النظر عن التطورات والمناخات الدولية والمواجهة القائمة مع إيران، وخضوعها لشروط ترامب أو معاندتها والمواجهة والضربة الكبيرة المحتملة في أي لحظة ونتائجها التي ستنعكس على كل المنطقة والعالم، هناك مسؤولية على الدولة اللبنانية تجاه شعبها، عن أمنه واستقراره وازدهاره ونموّه وتطورّه وتأمين مستقبل زاهر آمن لأجياله. عليها مسؤولية تجنيب لبنان كارثة أكبر ممّا أصابه في الحرب الأخيرة لأن الضربة إن وصلنا إليها من البديهي أنها لن تستثني “الحزب”، فهل يتحمّل لبنان دماراً وخراباً وموتاً أفظع؟.
على الدولة أن تتحمّل مسؤوليتها الواجبة تجاه شعبها، وأن تُفهم “الحزب” بطريقة واضحة ومباشرة بأنه حان الوقت لتطبيق الدستور والقانون والقرارات الدولية، وأن الدولة تحترم نفسها وشعبها وتلتزم بتعهداتها ووعودها تجاهه، وتلتزم بكلمتها وتوقيعها أمام العالم والشرعية الدولية، وأن القرار 1701 يجب أن يطبَّق بكامل مندرجاته وتحديد مهلة زمنية للتنفيذ، وأن شرط حصرية السلاح بيد الدولة هو واجب التطبيق ومن شروط وجودها وسيادتها التي لم يعد مقبولاً أي تراخٍ أو تردد حيال تأكيدها على أرض الواقع وتنفيذ الدستور واتفاق الطائف والقرارات الدولية الواضحة في هذا المجال، لا التلهِّي بنظرية معتورة من هنا أو بغيرها من هناك أو أي تساهل من هنالك في هذا الأمر. وإن كان من إضافة أخيرة، فلا بأس من الإشارة إلى أن ترامب لا يحب المتذاكين كما يُنقل، ف”بلاها”.
