#adsense

خاص ـ قراءة اقتصادية في سياسة دونالد ترامب (تادي عواد)

حجم الخط

في قلب الخطاب السياسي للرئيس الأميركي دونالد ترامب، تعود إلى الواجهة ملامح المدرسة “الانعزالية” في السياسة الأميركية، وهي عقيدة تقوم على النأي بالنفس عن الانخراط العميق في الشؤون الدولية، مع التركيز على المصالح الداخلية للولايات المتحدة. هذه المقاربة، التي سادت بين أواخر القرن الثامن عشر ومنتصف القرن العشرين، تعود اليوم بشكل أكثر حدّة من خلال شعار: “أميركا أولاً”.

ضرائب أقل.. لكن لمن؟

من أبرز وعود ترامب الاقتصادية خفض الضرائب، لا سيما على الشركات الكبرى، في مسعى لتحفيز الاستثمار الداخلي. وبالفعل، أدى ذلك في ولايته الأولى إلى دفعة في النمو، لكنه أثار انتقادات تتعلق باتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وزيادة العجز في الموازنة العامة. وكانت التخفيضات الضريبية سلاحًا ذا حدّين؛ فمن جهة، شجعت بعض الشركات على العودة إلى السوق الأميركية، ومن جهة أخرى، خفّضت الموارد العامة اللازمة للاستثمار في البنية التحتية والتعليم والرعاية الصحية.

التصنيع الداخلي… بأي كلفة؟

اعتمد ترامب سياسة “إعادة التصنيع إلى الداخل”، مع فرض رسوم جمركية عالية على الواردات، خصوصًا من الصين والمكسيك. صحيح أن بعض الوظائف الصناعية عادت إلى الولايات المتحدة، غير أن الكلفة تمثّلت في ارتفاع أسعار بعض السلع على المستهلك الأميركي، واضطراب سلاسل التوريد العالمية. كما أن الضغط على الشركات لتوطين مصانعها لم يكن ذا أثر دائم، نظرًا للفوارق في كلفة اليد العاملة والبيئة التشريعية في دول أخرى.

إغلاق الهجرة.. وتأثيره على سوق العمل

كانت الهجرة وما تزال من أكثر المواضيع إثارة للجدل في عهد ترامب. فقد أثّرت سياساته المتشددة تجاه المهاجرين غير الشرعيين، وتقييد منح التأشيرات، على قطاعات تعتمد على اليد العاملة المهاجرة، مثل الزراعة، والبناء، والرعاية الصحية. وعلى المدى القصير، قد تبدو هذه السياسات وسيلة لخلق وظائف للأميركيين، لكنها على المدى الطويل تُنذر بانكماش العرض في سوق العمل وزيادة الأجور بشكل يضعف تنافسية الاقتصاد الأميركي عالميًا.

الحرب التجارية مع الصين: مواجهة غير محسومة

تبنّى ترامب سياسة المواجهة المفتوحة مع الصين، عبر فرض رسوم جمركية على مئات المليارات من الدولارات من السلع الصينية. وكان الهدف تقليص العجز التجاري وتحجيم النفوذ الصيني، لكن النتيجة تمثّلت في ردود فعل مماثلة من بكين، ما أدّى إلى حرب تجارية أضرّت بكلا الاقتصادين، وخلقت حالة من عدم اليقين لدى المستثمرين العالميين. لم تُنهِ هذه الحرب الهيمنة الصينية في بعض الصناعات الحيوية، لكنها دفعت أميركا إلى إعادة التفكير في استراتيجيات التوريد والإنتاج.

الدعم غير المشروط لإسرائيل والضغط على إيران

شكّلت السياسات الخارجية لترامب جزءًا من رؤيته الاقتصادية، خصوصًا في الشرق الأوسط. فقد قدّم دعمًا غير مشروط لإسرائيل، ما أدى إلى توترات مع أطراف عربية، بالتوازي مع ضغط اقتصادي هائل على إيران من خلال العقوبات. وقد زادت هذه السياسات من المخاطر الجيوسياسية في المنطقة، وأثّرت على استقرار أسعار النفط وأسواق الطاقة العالمية.

التحالفات وفق مبدأ “ادفع أو انسحب”

رؤية ترامب للعلاقات الدولية كانت تجارية بحتة: على الحلفاء أن يدفعوا ثمن الحماية الأميركية، وإلا فعلى واشنطن الانسحاب. وقد أعادت هذه المقاربة تعريف مفهوم التحالفات الدولية، من الشراكة إلى الصفقة، وأثارت قلقًا في أوساط حلف “الناتو” وشركاء أميركا في آسيا وأوروبا. ومن الناحية الاقتصادية، خلقت هذه السياسة حالة من الريبة في الأسواق العالمية، وأضعفت الثقة بقدرة واشنطن على قيادة النظام العالمي.

تمثّل سياسات ترامب انعكاسًا واضحًا لنموذج “الانعزالية الحديثة”، حيث تركز الدولة على الداخل وتتراجع عن الانخراط في المنظومة العالمية. وبينما يرى البعض أنها تعيد لأميركا هيبتها الاقتصادية، يحذّر آخرون من أن الانغلاق على الذات قد يؤدي إلى خسارة النفوذ، وتراجع الابتكار، وزعزعة النظام الاقتصادي العالمي الذي بُني بعد الحرب العالمية الثانية، وكانت أميركا في صلبه.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل