ما إن غادرت الموفدة الأميركية مورغان أورتاغوس لبنان حتى تعالت الأصوات في مختلف الأوساط السياسية مطالبة بتسليم سلاح “الحزب”، هذا السلاح الذي لطالما كان في صلب المواجهة مع حزب القوات اللبنانية منذ استئناف نشاطه السياسي في العام 2005. ومنذ ذلك الحين، كانت القوات اللبنانية في طليعة القوى التي تصدت لهذا التحدي ورفضت أي شكل من أشكال الهيمنة على الدولة اللبنانية، معتبرة أن وجود سلاح غير شرعي خارج إطار الدولة يشكل تهديداً للسيادة الوطنية ويقوض استقرار البلاد.
تعتبر القوات اللبنانية أن السلاح الذي يمتلكه “الحزب” لا يهدد فقط استقرار الدولة، بل أيضاً استقلال لبنان وقراره الوطني، حيث أن هذا السلاح يتم توجيهه لأهداف إقليمية، وهو يخدم أجندة إيرانية بعيدة عن مصلحة لبنان. وهذا الموقف لم يكن في وقت سابق مطروحاً بشكل واسع على الطاولة السياسية، بل كان محاطاً بالكثير من التردد والخوف من الانخراط في مواجهة مباشرة مع “الحزب” بسبب قوته العسكرية والعديد من الحلفاء الذين يمتلكهم داخل البلاد. ولكن القوات اللبنانية، ومنذ اللحظة الأولى التي استأنفت فيها نشاطها السياسي، اتخذت موقفاً حاسماً في هذا الصدد، حيث أصرت على أن الدولة اللبنانية هي الوحيدة المخولة بحمل السلاح.
اليوم، بعد سنوات من التصدي لهذا السلاح غير الشرعي من قبل “القوات”، نلاحظ أن عددا كبيرا من المسؤولين في لبنان بدأوا يتبنون نفس الخطاب الذي طالما دعت إليه القوات اللبنانية. عدد كبير من السياسيين، الذين كانوا في السابق يحجمون عن التطرق إلى موضوع السلاح غير الشرعي، بدأوا اليوم يشددون على ضرورة تسليمه كشرط أساسي لاستعادة الدولة سيادتها الكاملة على أراضيها. هذه الدعوات تتصاعد في الآونة الأخيرة، حيث باتت المطالب بالسيادة والاستقلال والشرعية تتصدر أجندة المسؤولين في لبنان، وأصبحت قضية تسليم السلاح واحدة من أولويات النقاشات السياسية والاقتصادية.
هذا التحول في الخطاب السياسي يعكس نجاحاً كبيراً حققته القوات اللبنانية في نشر مبادئها السيادية داخل المجتمع اللبناني، مما دفع الكثير من القوى السياسية إلى تبني هذه المطالب التي لطالما كانت حجر الزاوية في استراتيجية القوات اللبنانية منذ بدء العمل السياسي في العام 2005. القوات اللبنانية لم تقتصر على إبداء الموقف فقط، بل سعت جادة إلى نشر هذه المفاهيم بين اللبنانيين، ووضعت السيادة اللبنانية واستقلال القرار الوطني كأولوية قصوى في برامجها السياسية.
من الجدير ذكره أن هذا التغيير في الخطاب لم يكن وليد اللحظة، بل جاء نتيجة للتراكمات السياسية والاقتصادية التي شهدها لبنان في السنوات الأخيرة، والتي أظهرت بشكل واضح فشل السياسات التي كانت تعتمد على توازنات القوى الميليشياوية. كما أن الوضع الإقليمي والدولي، خاصة بعد تغيرات المواقف في الشرق الأوسط وتصاعد الضغوط الدولية، دفع لبنان إلى إعادة النظر في طريقة تعاطيه مع قضايا الأمن والسيادة.
اليوم، إذا كان هناك من مواقف سياسية تهدف إلى حفظ كرامة الدولة اللبنانية وحمايتها من التدخلات الخارجية، فإن الحديث عن السيادة واستعادة سلاح الدولة هو في صلب هذه المعركة. وهذا لا يعني أن الطريق سيكون سهلاً، بل يتطلب تكاتف الجميع على مختلف الاصعدة لإنهاء حالة الشلل السياسي والاقتصادي التي يعيشها البلد.
إن المطالبة بتسليم سلاح “الحزب” أصبحت اليوم بمثابة إشارة قوية من الشعب اللبناني والأحزاب التي تدافع عن استقلالية الدولة، وهي تعكس تحولاً في المزاج العام، حيث بدأ اللبنانيون يدركون أكثر من أي وقت مضى أن السلاح غير الشرعي لا يمكن أن يكون جزءاً من الحل، بل هو جزء من المشكلة التي تعيق تقدم لبنان واستقراره.

.jpg)