انتهت وظيفة السلاح.. فمتى تعود الدولة؟

حجم الخط

جوزيف

يشكّل السلاح غير الشرعي في يد أي جهة خارج إطار الدولة انتهاكًا فاضحًا لسيادة الوطن، وتهديدًا وجوديًا لاستقراره ومستقبل شعبه. وفي هذا السياق، تأتي تصريحات بعض أوساط “الثنائي” كمحاولة مكشوفة لإعادة تعويم سلاح “الحزب”، تحت مظلة تفاهم مزعوم مع فخامة الرئيس جوزيف عون، يستند إلى ثلاثة مبادئ فضفاضة. غير أن هذه التصريحات تتعارض بوضوح مع جوهر خطاب القسم، وتتناقض مع المرتكزات الدستورية التي يقوم عليها العهد الجديد، ما يجعل منها محاولة خطيرة لتشويه مفهوم “حصرية السلاح بيد الدولة”، وتفريغه من مضمونه السيادي الكامل.

 

أولًا: المقاومة ليست ميليشيا؟

التمييز بين “المقاومة” و”الميليشيا” ليس سوى تلاعب لغوي لا يستقيم أمام المنطق القانوني والدستوري. فبموجب اتفاق الطائف، الذي يستند إليه الثنائي الشيعي زورًا، نُزعت الشرعية عن جميع التشكيلات المسلحة غير النظامية، أيًا تكن تسمياتها، وشُدد على حصرية السلاح بيد القوى العسكرية والأمنية الشرعية التابعة للدولة. أما استمرار سلاح “الحزب” خلال مرحلة تطبيق الطائف، فقد خضع لتفاهم سوري ـ إيراني كان جزءًا من مشروع أوسع من ضمن فكرة تصدير الثورة الإيرانية إلى دول الإقليم.

أما من منظور القانون الدولي، فلا يُجيز هذا الأخير وجود سلاح دائم خارج إطار الدولة، خصوصًا إذا تحوّل هذا السلاح إلى أداة تهديد للداخل الوطني ومصدر لتدمير الدولة ومؤسساتها. والأحداث أثبتت بما لا يقبل الشك أن هذا السلاح لا يتحرك للدفاع عن السيادة اللبنانية، بل وفق الأجندة الإيرانية. فمنذ العام 2006 حتى العام 2023، وبحسب تصريحات “الحزب” نفسه، ارتكبت إسرائيل أكثر من 39,000 خرق للسيادة اللبنانية، ولم يُسجل خلالها أي رد يُذكر من “الحزب”، مما يُسقط ذريعة “المقاومة” التي يتلطى خلفها.

في المقابل، وخلال الفترة نفسها، تخلّت ما تُسمى بالمقاومة عن هدفها الأساسي، ووجّهت سلاحها إلى الداخل اللبناني، كما حصل في أحداث أيار من العام 2008، وهجوم الطيونة في العام 2021، فضلًا عن تورطها العسكري في سوريا، وامتداد عملياتها إلى العراق واليمن، وتهديدها المباشر لدول الخليج العربي، وصولًا إلى مشاركتها في معركة إسناد غزة، وهي معركة لا صلة للبنان بها، مما يُعدّ تجاوزًا للسيادة الوطنية وزجًا بلبنان في صراعات لا تعنيه.

وبناءً عليه، لم يعد “الحزب” يُمثّل مقاومة وطنية، بل بات يُجسد نموذج الميليشيا المرتزقة التابعة لمحور إيران، تنفّذ أجندته وتُقوّض استقرار لبنان وعلاقاته العربية. وبالتالي، تسقط سردية “المقاومة” تلقائيًا أمام واقع ميليشياوي موصوف. إن الإبقاء على هذا السلاح بعد انسحاب إسرائيل عام 2000، ثم بعد حرب 2006، واليوم بعد حرب 2024، هو خروج صارخ عن المنطق القانوني والسيادي. فالسلاح الذي يتحول إلى قوة عسكرية دائمة خارج المساءلة والمحاسبة، لا يُمكن أن يُعدّ مقاومة، بل تهديدًا للكيان الوطني برمّته.

 

ثانيًا: وقف إطلاق النار والتنسيق مع الجيش؟

إذا كان “الحزب” يلتزم باتفاق وقف إطلاق النار ويتعاون مع الجيش اللبناني في منطقة جنوب الليطاني، فذلك ليس منّة، بل واجب تفرضه القوانين الدولية والقرارات الأممية، ولا سيّما القرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن، الذي يُلزم الدولة اللبنانية ومكوّناتها كافة. وأي خرق لهذا الالتزام يُعد انتهاكًا صريحًا للشرعية الدولية. أما الحديث عن “تسليم السلاح” جنوب الليطاني، فيوحي وكأن الحزب يمتلك صلاحية تقرير أين يُسمح له بحمل السلاح وأين لا، في تكريس لواقع ازدواجية السيادة، يتناقض جذريًا مع مبدأ حصرية السلطة العسكرية والأمنية بيد الدولة.

وإذا كان “الحزب” يعتبر أن جنوب الليطاني يجب أن يبقى منطقة منزوعة السلاح، فهذا بحد ذاته اعتراف ضمني بأن سلاحه لم يعُد فعالًا في مواجهة إسرائيل، وأن استمراره لم يعُد مرتبطًا بمفهوم المقاومة كما يُروّج، بل بخدمة أجندات إقليمية تتجاوز المصلحة الوطنية. فهل الهدف من هذا الطرح إعادة بناء ترسانة عسكرية وصاروخية شمال الليطاني، تحت ستار “التفاهم” و”التنسيق”؟ إن صحّ ذلك، فنحن أمام مشروع يُقوّض مفهوم الدولة، ويتعارض مع تطلعات اللبنانيين إلى سلام داخلي حقيقي، يشكّل مدخلًا لإعادة الإعمار، والنهوض الاقتصادي، بعد أن أغرق “الحزب” البلاد في الفقر والانهيار والتبعية.

أما ما يُسمى بـ”التنسيق” مع الجيش اللبناني، فهو في جوهره خطأ مبدئي ومصدر شبهة. فالجيش هو المؤسسة الشرعية الوحيدة المخوّلة حمل السلاح، والمدعومة وطنيًا ودوليًا، ولا يجوز أن يُعامل على قدم المساواة مع ميليشيا خارجة عن الشرعية. بل يجب أن يفرض سلطته على كامل الأراضي اللبنانية بما يتماشى مع المصلحة الوطنية العليا، لا أن يتحوّل إلى شريك في إدارة واقع خارج عن القانون.

إن تصوير التعاون في سحب السلاح كإنجاز يُضفي شرعية على أصل وجود هذا السلاح، هو انحراف خطير يُنذر بانزلاق الدولة إلى منطق تقاسم النفوذ بدلًا من فرض السيادة. وهنا تكمن المعضلة الكبرى: حين يُختزل دور الجيش في “التنسيق”، لا في “الحسم”، تنهار هيبة الدولة، ويُعاد إنتاج واقع شاذ وهجين، لا يمكن أن يُبنى عليه استقرار أو يُؤسَّس من خلاله وطن.

 

ثالثًا: الإستراتيجية الوطنية وربط مصير السلاح بتحرير النقاط وتحرير الأسرى؟

القول بأن سلاح “الحزب” يُبحث ضمن “استراتيجية وطنية” بعد انسحاب إسرائيل من النقاط الخمس وتحرير الأسرى هو تضليل متعمّد. فـ”الاستراتيجية الوطنية” تعني حصريًا أن القرار الدفاعي بيد الدولة وحدها، وأن السلاح لا يُحمل إلا تحت راية الجيش وبقرار مركزي من السلطة الشرعية. أمّا إبقاء السلاح في يد حزب واحد، تحت أي ذريعة، فهو تكريس لواقع غير دستوري، يمنح فئة ميزة سلطوية ويهدد مبدأ المساواة بين اللبنانيين.

“الحزب” يغيّر روايته حول سلاحه وفق المتغيرات: من تحرير القدس، إلى حماية الطائفة، إلى مقاومة إسرائيل، فالدفاع عن الغاز، ثم التصدّي للتشدد في سوريا. هذه ليست استراتيجية وطنية، بل سرديات موسمية تُستخدم لتبرير سلاح مرتبط بمشروع خارجي، يخدم أجندة إيران لا مصلحة لبنان.

الاستمرار في ربط مصير السلاح بشروط متبدّلة هو محاولة لتمرير الوقت، بانتظار تغيّر في المشهد الإقليمي يخفف الضغط عن الحزب. لكن هذا الرهان سقط. المنطقة دخلت مرحلة جديدة تُعيد فيها الدول ترتيب أولوياتها على أساس السيادة والتنمية، لا منطق السلاح والوصاية.

الإبقاء على هذا السلاح يُبقي الدولة رهينة، ويُعطّل نهوضها السياسي والاقتصادي والأمني. سلاح “الحزب” لم يعُد أداة مقاومة، بل تحوّل إلى أداة تهديم داخلي تُقوّض الدولة وتُفرغ مؤسساتها من معناها. الاستراتيجية الوطنية لا تُبنى على ازدواجية السلاح، بل على حصرية القرار، ووحدة السيادة، وخضوع الجميع لمنطق الدولة وحدها.

 

الرأي القانوني والسياسي:

بموجب الدستور اللبناني، تمارس الدولة سيادتها الكاملة على جميع أراضيها، ولا يجوز لأي جهة أو طرف أن يشاركها هذه السيادة أو ينازعها في امتلاك القرار الأمني والعسكري. فمبدأ حصرية السلاح بيد الدولة ليس خيارًا سياسيًا، بل قاعدة دستورية راسخة، تشكّل جوهر الكيان اللبناني الحديث، وأساس الشرعية الداخلية والدولية لأي سلطة قائمة.

وقد أكد رئيس الجمهورية، العماد جوزيف عون، في خطاب القسم، على هذا المبدأ بوضوح، حين شدد على ضرورة بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، ورفض أي شكل من أشكال الازدواجية في القرار الأمني أو العسكري. وبالتالي، فإن أي تفاهمات ثنائية أو جزئية مزعومة من قبل “الحزب” لا يمكنها أن تُلغي المبدأ الأعلى المنصوص عليه دستوريًا، والمتمثل بحصرية السلاح ووسائل العنف المشروعة بيد القوى الشرعية وحدها.

القبول باستمرار سلاح “الحزب” بعد حرب العام 2024، وبعد توقيعه – عبر الرئيس نبيه بري وحكومة الرئيس نجيب ميقاتي – على اتفاقية وقف إطلاق النار، يشكّل خرقًا صريحًا للمبدأ الدستوري ولسيادة الدولة. فـ”الحزب” نفسه، وبموافقته الضمنية على وقف العمليات، يعترف ضمنًا بانتهاء وظيفة سلاحه، ما يُسقط أي ذريعة لاحتفاظه بهذا السلاح خارج إطار الشرعية.

إن استمرار وجود هذا السلاح اليوم، في ظل غياب أي تفويض قانوني أو دستوري، يجعله مصدر تهديد مباشر للأمن الوطني، وللوحدة الداخلية، وللتماسك المؤسسي للدولة. كما أن بقاءه يتحول إلى أداة ابتزاز سياسي وأمني، تُستخدم ضد كل من يعارض المشروع الإيراني في لبنان، ويُقوّض أسس الديمقراطية والتعددية السياسية، ويمنع قيام دولة قانون فعلية.

بالتالي، من واجب السلطات الشرعية، انطلاقًا من مسؤوليتها الدستورية، أن تعمل على نزع هذا السلاح، ووضع حد نهائي لحالة الازدواجية القائمة، وإعادة تكريس مبدأ السيادة الكاملة للدولة اللبنانية على أراضيها ومؤسساتها، من دون استثناء أو مساومة.

وهنا تظهر المفارقة الصارخة بين سرديات “الثنائي” وحقيقة الواقع الدستوري والسيادي:

بينما يدّعي الثنائي أن المقاومة ليست ميليشيا لأنها لم تُنزع بموجب الطائف، فإن الواقع يثبت أنها اليوم أكبر خرق لما نص عليه الطائف. وبينما يُصوَّر التعاون مع الجيش كشرعية، فإن هذا التعاون لا يُشرعن السلاح بل يكشف ازدواجية السلطة وهيمنة القوة. وأما ربط السلاح باستراتيجيات وهمية فليس سوى محاولة مكشوفة لتمديد زمن السيطرة، وتجميل واقع اختطاف القرار الوطني بقوة الأمر الواقع.

 

الخلاصة:

على رئاسة الجمهورية والحكومة اللبنانية أن ترد بشكل رسمي وحاسم على هذه الطروحات، وترفض بوضوح أي مساومة على مبدأ السيادة الوطنية. لم يعد مقبولًا أن تستمر الدولة بسياسة الانتظار، فيما يتحرّك “الحزب” بخطى مدروسة لفرض أمر واقع بقوة السلاح. الرهان المتبادل على الوقت بين الطرفين لم يعد سوى وصفة مدمّرة لمستقبل لبنان.

لكن الوقائع الإقليمية والدولية تشير بوضوح إلى أن الوقت لم يعُد في صالح “الحزب”. فالمتغيّرات باتت أعمق من أي لحظة منذ اتفاقية سايكس بيكو، والمسار الذي تسلكه المنطقة يسير بعكس مشروع “الحزب”، الذي لم يعد يُنظر إليه كمكوّن مقاوم، بل كأداة تعطيل تخدم أجندات خارجية.

اللحظة لا تحتمل المراوغة. المطلوب الآن موقف وطني صريح يُعيد للدولة دورها الطبيعي: المرجعية الوحيدة للسلاح والقرار والسيادة. أي تأخير إضافي سيكون بمثابة توقيع على نهاية ما تبقى من مفهوم الدولة.​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل