تُشكل الأحزاب السياسية القاعدة البنيوية للأنظمة الديمقراطية، فلا نظام ديمقراطي حقيقي بدون احزابٍ فاعلة وحقيقية تقوم على أسسٍ ديمقراطية تتكامل مع الطبيعة الديمقراطية لتلك الأنظمة السياسية، وكلما اخذت الديمقراطية مجراها الطبيعي والصحيح على مستوى الأحزاب من جهة وعلى مستوى النظام السياسي من جهةٍ ثانية، كلما كان المنتظم السياسي في هذه الدولة او تلك متوازناً ويؤمن العدالة والمساواة والانصاف والتطور وتكافؤ الفرص لكل المواطنين.
امّا اذا كانت ديمقراطية النظام نسبية او مُلتبسة تبعاً لتركيبة المجتمع الذي يتكوّن منه هذا النظام وتبعاً لنمط عيش هذا المجتمع وموروثاته الثقافية والتاريخية الذي قد لا يتقبلّ ديمقراطية مطلقة او جامدة او غير تفاعلية، فلا عجب ان تكون الديمقراطية على مستوى الاحزاب السياسية التي تعمل تحت مظلّة هذا النظام من الطبيعة الديمقراطية ذاتها. بالتالي فإن تصويب بوصلة الديمقراطية باتجاهها الدقيق والصحيح والسليم يبدأ من خلال تصويبها على مستوى النظام السياسي قبل ان ينسحب الى القاعدة الحزبية لهذا النظام.
من هنا لا يمكن الحديث عن احزابٍ ديمقراطية حقيقية في ظلّ نظامٍ ديمقراطي ظاهرياً ولكنه يُطعّم هذه الديمقراطية الظاهرية بجرعةٍ من الاستنسابية والمحسوبية والرمادية حتى يُرضي كل اطياف المجتمع الذي يتكوّن منه ويحول من دون انفجار تركيبته من الداخل، كما هو الحال بالنسبة لديمقراطية النظام اللبناني القائم منذ عام 1943 على مبدأ الديمقراطية البرلمانية الليبرالية بيد، ومبدأ اخذ مصالح كل الطوائف والأطراف والعقليات والموروثات باليد الأخرى، فيُصبح الحاصل النهائي للديمقراطية هو صفر ولكن الحاصل النهائي للشمولية هو صفر ايضاً، وهنا يكمن الكباش بين من يريد اخذ لبنان باتجاه الشمولية ومن يريد اخذه باتجاه الديمقراطية، ومن يريد ابقائه في نقطة وسطية بينهما.
كما لا يمكن الحديث عن احزابٍ لامركزية مرنة إنما في نظامٍ سياسي ديمقراطي يقوم على المركزية الشديدة، لذلك فالنظام المركزي حتى وان كان ديمقراطياً، لا يمكن الا ان يُنتج احزاباً مركزية وزعاماتٍ كاريزماتية تاريخية حتى ولو كانت في حقيقتها غير ديكتاتورية ايضاً.
هذا بالنسبة للأحزاب اللبنانية التي تؤمن بنهائية الكيان وتعمل وفق مقتضيات النظام اللبناني وضوابطه، امّا بالنسبة للأحزاب التي تدين بالولاء لدولٍ ثانية ولا تؤمن بنهائية الكيان ولا تعترف بمبدأ الديموقراطية من اساسه، فهي احزاب تحاول الدخول الى المنتظم السياسي اللبناني بطريقةٍ قسرية ومن خارج دينامية هذا النظام، لذلك فإن هكذا احزاب لا يمكن ان تتعايش مع النظام اللبناني سواء كانت ديمقراطيته مطلقة ام نسبية ام ملتبسة، لأن الواحد منهما يتناقض مع الآخر ولا يتفاعل معه الاّ اذا تمكن من تسخيره بالكامل خدمةً لمصالحه واجندته الخارجية الخالصة.
لذلك فإن تعويل النظام الديمقراطي اللبناني في هذه الحالة هو على الأحزاب اللبنانية الكيانية الديمقراطية حتى يحافظ على طبيعته واعتداله وديمقراطيته وتوافقيته، من هنا تأتي اهمية حزب القوات اللبنانية ومعه كوكبة من الشخصيات والأحزاب اللبنانية السيادية الحقّة التي لا تعمل فقط لاكتساب المناصرين ومضاعفة حضورها النيابي، بل هي تقاوم في جوهر وجودها كل المحاولات القسرية لتحويل النظام الديمقراطي اللبناني الى نظامٍ يُشبه طبيعة الأحزاب غير الكيانية وغير الديمقراطية، ومن واجب كل مواطن لبناني حر ان يدعمها ويساندها في مهمتها التاريخية هذه حفاظاً على الحرية والسيادة والاستقلال.
