تفكيك السلاح واقع متقدّم وموقع الدولة على المحك

حجم الخط

ما يُرسم للبنان في هذه المرحلة لا يشبه أي لحظة سابقة. فـملف سلاح “الحزب”، الذي شكّل لعقود العقدة الأخطر في مسار الدولة، بات اليوم في مرحلة الحسم لا النقاش – لكن من خارج الحدود لا من داخلها. الضغوط الدولية، من الضربات الإسرائيلية التي هشّمت بنية الردع، إلى الضغط الأميركي المكثّف الذي برز بوضوح في زيارة مورغان أورتاغوس، أطلقت دينامية إقليمية جديدة دخل معها هذا الملف حيّز التنفيذ، لا التفاوض.

وبينما تُسرّع المفاوضات الأميركية – الإيرانية في مسقط وتيرتها نحو تسوية شاملة تشمل الأذرع العسكرية والبرنامج الباليستي، تتسارع داخل لبنان وتيرة الحديث الجدّي عن تفكيك السلاح، وآليات إخراجه، وجدولة زمنية واضحة تُناقَش بعيدًا عن القرار اللبناني. والنتيجة؟

تقدّم فعلي نحو إنهاء السلاح غير الشرعي، يقابله غياب رسمي للدولة عن صناعة اللحظة السيادية.

وما لم تُبادر الدولة فورًا إلى الإمساك بهذه المرحلة بقرار وطني واضح، فإن زوال السلاح قد لا يكون بداية استعادة الدولة، بل لحظة تتكرّس فيها الهشاشة والغياب… ولكن هذه المرة بشكل شرعي ومعلن.

 

مفاوضات مسقط تُنتج التفاهم… لا الحرب

في خلفية هذا التحوّل، يُدار تفاوض استراتيجي بين الولايات المتحدة وإيران في مسقط، يتخطى الإطار النووي التقليدي. فـالمفاوضات تجاوزت حدود الملف النووي التقليدي، لتدخل في عمق القضايا الأكثر حساسية: تفكيك الأذرع العسكرية الإيرانية في المنطقة، ضبط منظومة السلاح غير الشرعي، وكبح البرنامج الصاروخي الباليستي الذي بات مصدر قلق استراتيجي للغرب.

إيران اليوم في موقع دفاعي، تُحاصرها الضغوط السياسية والاقتصادية، وتواجه خيارين:

ـ إما الانخراط الكامل في تسوية شاملة وفق الشروط الدولية.

ـ إما المخاطرة بانفجار كبير قد يطال بُنية النظام نفسه، مع ما يحمله ذلك من تهديد وجودي.

ومن دون إغفال التعقيدات الكامنة في العلاقات الإقليمية وتشابك ملفات التفاوض، إلا أن مسار تفكيك منظومات السلاح غير الشرعي بات محورًا ثابتًا في الحسابات الدولية، وتحوّله إلى واقع تنفيذي يبدو أكثر ترجيحًا من أي وقت مضى. في قلب هذه المعادلة، يُدرج ملف سلاح “الحزب” كجزء غير قابل للفصل من التسوية.

السؤال لم يعد هل يُسحب السلاح؟ بل متى وكيف؟

المسألة دخلت حيّز الجدولة والتطبيق، فيما حضور الدولة لا يزال من دون مستوى المرحلة وخطورتها.

 

إسرائيل ضربت… وأمريكا تدير اللعبة

ما عجزت السياسة اللبنانية عن تحقيقه بفعل الانقسام الداخلي وغياب القرار السيادي، تولّته المعادلة الإقليمية بحسم وتصعيد مدروس:

ـ إسرائيل عمدت إلى تقويض فعالية السلاح خلال الحرب الأخيرة، وتظهر الايام أن ضرباتها استهدفت بنيته العسكرية والعملياتية وأفقدته ميزته الردعية.

ـ أما الولايات المتحدة، فاستثمرت اللحظة لتملأ الفراغ الاستراتيجي والسياسي، من خلال هندسة تسوية شاملة تهدف إلى تفكيك الفوضى الأمنية، وإعادة ترسيم موازين القوى في الإقليم.

ـ الدول العربية، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، تضع شرط استعادة القرار كمدخل لأي دعم اقتصادي أو سياسي.

أما لبنان الرسمي، فبقي على الهامش، يراقب حركة القوى الكبرى على مسرحه الوطني من دون أن يحجز لنفسه مقعدًا فاعلًا في لحظة إعادة التشكيل. فالتهديد الأخطر اليوم لم يعد في بقاء السلاح، بل في احتمال أن يبقى لبنان دولة “شكلية”، فارغة من معناها السيادي، حتى بعد زوال السلاح. والنتيجة، أن التسوية – وإن أفضت إلى سحب السلاح – قد تمر من فوق الدولة، لا عبرها، ما لم تبادر إلى استعادة موقعها بقرار وطني واضح ومبادر.

 

التمايز الداخلي كعامل توازن

في المشهد الداخلي، يبرز تمايز منضبط بين موقع رئاسة الجمهورية ودور “القوات اللبنانية”، يشكّل في جوهره معادلة توازن سياسي مدروسة.

فـرئاسة الجمهورية تنتهج مقاربة مرنة، تستند إلى الحوار كأداة لاحتواء الانقسام، وتحرص على عدم زعزعة الاستقرار في مرحلة شديدة الحساسية.

في المقابل، تؤدي “القوات اللبنانية” دورها السيادي بثبات ومسؤولية، من خلال خطاب واضح يطالب بتطبيق القرارات الدولية، ويؤكد ضرورة وضع خارطة طريق تنهي واقع السلاح الموازي وتعيد القرار إلى الدولة.

هذا التباين في الأسلوب لا يُترجم خلافًا في الموقف، بل يُقرأ كـتناغم وظيفي يُحافظ على الحد الأدنى من المبادرة الوطنية، ويُخفف من وطأة الضغوط الخارجية، ويمنع انفجار الداخل. لكن، على الرغم من ذلك، يبقى غياب القرار السيادي الموحّد للدولة هو الثغرة الأخطر في المشهد.

 

الخلاصة: الخيار ما زال متاحًا… لكن الوقت يضيق

التحوّلات تتقدّم، والخارج حسم أمره، والمبادرة تنفَّذ. السلاح إلى الزوال، وهذه حقيقة سياسية لا لبس فيها. لكن إن لم تُقابل هذه اللحظة بموقف لبناني واضح، فإن زوال السلاح لن يعني ولادة الدولة، بل ترسيخ غيابها. التحدي اليوم لم يعد في القدرة على مقاومة القرار الدولي، بل في استيعابه بشروط وطنية تحفظ سيادة الدولة، ودورها، ومؤسساتها.

ولذلك، على الدولة أن تبادر فورًا إلى:

1 ـ إعلان موقف وطني واضح من ملف السلاح، يسبق التسوية لا يتبعها.

2 ـ إطلاق مشاورات داخلية لوضع خطة تنفيذية تُدار من الداخل لا تُفرض من الخارج.

3 ـ طلب ضمانات دولية وعربية بأن يكون تنفيذ التسوية تحت رعاية الدولة لا فوقها.

فإما أن تمسك الدولة اليوم زمام الخلاص الوطني بقرار سيادي حاسم، أو تبقى سلطة غائبة في لحظة استعادة السيادة، ليُكتب لبنان الجديد خارجها، وبلا حضورها.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل