

.jpg)

عندما نتحدّث عن أقليّات يعني ذلك حتمًا وجود أكثريّة ما أو حتى أكثر وسط حيّز جغرافي ما. ولهذه المجموعة مميّزات تضع فرادتها تحت المجهر أمام الأكثريّة التي تختلف معها في العرق أو الدين أو اللغة أو الثقافة. ولكن هذا المفهوم بين الأقلية والأكثرية لَعَمري يشكّل انتقاصًا من قيمة الإله الذي تأنّس في هذا الإنسان ورفعه من غرقه في خطيئته، نتيجة ضعفه البشري. فلماذا نعمِل نحن البشر المدية في كِيانيّتنا البشريّة التي تصبو نحو الكمال الإلهي؟ لماذا لا نرتقي بإنساننا إلى حيثما أراده خالقه؟
في الفلسفة الاجتماعيّة الكلاسيكيّة لم يكن ينظر إلى هذه الإشكاليّة لأنّه تمّ تذويبها في القوميّات الكبرى. أمّا في الدراسات الحديثة للعلوم السياسيّة والاجتماعيّة، وبعدما اتّخذت هذه الأقليات مناحي إستقلاليّة، حتّى وصل بعضها إلى تحقيق الاستقلال الذاتي ضمن إقليم في دولة لامركزيّة أو فدراليّة، من مثل إقليم كردستان العراق، فبات الحديث عن حقوق هذه الأقليات مطّردًا أكثر فأكثر حفاظًا على هويّتها الكيانيّة ومنعًا من تذويبها في أطر انصهاريّة تحت ذريعة الوحدة الوطنيّة، والمركزيّة في الحكم.
من حيث المبدأ، يجب عدم استعمال مصطلح الأقليات لأنّه يقلّل من أهميّة الجماعات الحضاريّة التي ترتقي في سلّم الانسانيّة بحسب الهويّة التي تحملها، سواء اكانت عرقيّة أم دينيّة أم إثنيّة. من هذا المنطلق، برزت ثقافة إضعاف المكوّنات الحضاريّة التي تندرج تحت مفهوم الجماعات التاريخيّة لتتمكّن الأكثريّة المحيطة بها من ابتلاعها فتذويبها. من هنا بالذات برزت ضرورة الحفاظ على المصطلح كمصطلح أوّلًا لعدم إخضاع هذه الجماعات تحت ذريعة الهيمنة الثقافيّة، الأمر الذي يدفعها إلى البحث في كيفيّة تشكيل أحلاف لحماية نفسها من الأكثريّة المهيمنة. وهذا ما أورده المفكّر أنطونيو غرامشي (1891-1937)، في كتاباته حول “دفاتر السجن” (Prison Notebooks)، حيث تحدث غرامشي عن الهيمنة الثقافية، موضحًا كيف تفرض النخب سيطرتها عبر المؤسسات الثقافية، مما ينعكس على وضع الأقليات التي تجد نفسها مهمّشة ضمن الهياكل السلطوية. هذا يفسر كيف تحتاج الأقليات إلى تشكيل تحالفات لمواجهة الهيمنة.
ولهذه الغاية أيضًا تلجأ الأكثريّات إلى الخطاب السلطوي التسلّطي الاستبدادي ما يدفع هذه المكوّنات الحضاريّة إلى البحث عن استراتيجية لمقاومة السيطرة السياسية والاجتماعية التي تفرضها الدول القومية. وهذا ما أشار إليه المفكّر الفرنسي ميشال فوكو (1926-1984) في كتبه مثل “المراقبة والعقاب” و”إرادة المعرفة”.
بينما علّل ألبرت حوراني (1915-1993) في كتابه “الأقليات في العالم العربي” (Minorities in the Arab World)، أنّ الأقليات الدينية والعرقية في المنطقة، إنّما تحالفاتها كانت أحيانًا استراتيجية للحماية، لكنها أيضًا أدّت إلى استغلالها من قبل القوى الكبرى. وهذا ما أنتج إدارة سيئة للتعدّديّة التي ضمّت هذه الأقليّات. والنموذج اللبناني خير دليل على ذلك، حيث غالبًا ما سعت هذه القوى المؤثّرة إلى تأجيج الصراعات في ما بينها لتحقّق مكاسب إقليميّة ودوليّة أحيانًا على حساب وجوديّة هذه المكوّنات الحضاريّة.
هذ الإطار الجيوسياسي الذي نجح بعض المفكرين بوضع هذه الجماعات في بوتقته أدّى إلى تقزيم دورها. ونجحت بعض القوميّات الكبرى أو حتّى الدول المركزيّة في تذويبها هويّتيًّا بمبدأ الانصهار الوطني الذي لا يشبه البشر. لكنّ الانصهار ليس للبشر بل للمعادن حيث تضيع مكوّنات المعدن الواحد لتذوب مع غيرها فتنتج نتاجًا هجينًا لا هويّة أصليّة له. بينما البشر مختلفون تمامًا. لكلّ منّا نتاجه الهويّاتي الذي يتكوّن من عدّة هويّات تجعل منه هذا الكائن الحيّ الفريد بذاته الكيانيّة الذي لا يشبه الآخرين.
حتّى الجسد البشري كوّنه الرّبّ على أساس التعدد والتعاضد. فلا يوجد أي خليّة تشبه الأخرى لكنّها بعضها مع بعض تكوّن الكلّ من مجموع الأجزاء. وهكذا هذه المكوّنات الحضاريّة ممنوع تذويبها. وممنوع استغلالها. بل المطلوب التفكّر بشكل استراتيجي في كيفيّة حمايتها ضمن نظم تعدّديّة تتيح لها الاستمرار. وإن كان لبعضها القدرة على العيش بشكل ذاتي ومستقل ضمن إطار جغرافيّ أو من دونه، فلماذا لا تكون هذه الجماعات في إطارها الهويّاتي المستقل لتعيش حرّيّتها وقناعاتها؟
حتّى وهم الحماية من قبل الحزب أو الديكتاتور أو الحاكم أو التحالف مع دولة إقليميّة ساقط. وأثبتت التجارب في الشرق الأوسط صحّة هذه النّظريّة. الحلّ يكون بتذليل التحديات التي تواجه هذه المكوّنات وليس بتعزيزها عبر تخويفها أكثر. وهذا ما يجب أن يبدأ بعدم التمييز في قوانين الأحوال الشخصيّة والتمثيل السياسي والحقوق المدنيّة. والمطلوب من الأمم المتحدة حماية هذه المكوّنات التي لا تستطيع تعزيز عيشها الهويّاتي في صلب الدّول الكبرى، وهنا يبرز النموذج الإيزيدي في العراق وما تعرّض له في فترة سيطرة تنظيم “داعش”. كما لا يمكن إغفال الحرب الثقافيّة التي تتعرّض لها هذه المكوّنات عبر سلاح اللغة والدين. ولنا في نماذج التتريك في زمن السلطنة العثمانيّة مع الشعوب السريانيّة خير دليل. فضلًا عمّا يعيشه الأهواز في الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران منذ أكثر من مئة عام وحتّى اليوم.
كما لا يمكن إغفال ما حدث في لبنان في الأربعين سنة الماضية حيث تمّ استغلال المكوّن الحضاري الشيعي تحت ذريعة الحرمان لأدلجته وإخراجه من صلب الكيانيّة اللبنانيّة خدمة للأجندة الإيرانيّة التوسّعيّة الاستعماريّة بلبوس مذهبي جديد. نجحت بإلحاق قسم كبير من شيعة لبنان، على رغم البعد الجغرافي، بها من خلال الربط الديني الأيديولوجي. وهذا ما أدّى إلى تدمير الإيديولوجيّة البنائيّة التي قامت على أسسها الدولة اللبنانيّة كأمّة لبنانيّة تكوينيّة بحدّ ذاتها.
المطلوب تعزيز الحوار السياسي الحقيقي القائم على المساواة والعدالة في ديمقراطيّة توافقيّة ضمن إطار سياسيّ يبدأ من اللامركزيّة ولا ينتهي بالكونفدراليّة للحفاظ على حقوق هذه الجماعات التاريخيّة ومنعها من الذوبان أو الاحتراق في أتانين الدول الكبرى. وهذا ما قد يؤمّن فرصًا حقيقيّة في منطقة الشرق الوسط التي لطالما كانت بؤرة اقتتال هويّاتي تحت ذريعة الدين أو المذهب أو العرق. لكن في نهاية المطاف وحدها الحرّيّة الكيانيّة كفيلة بالحفاظ على هذا التنوّع الحضاري وتنظيمه في الأطر السياسيّة المناسبة. فهل تجرؤ هذه الدّول على اتخاذ هذه الخطوات؟ أم محكوم على شرقنا البقاء في جهنّميّة التنوّع الفتّاك وتيه الوجود الحرّ؟
كتب د. ميشال الشمّاعي في “المسيرة” ـ العدد 1763
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]