
خمسون عامًا عبرت، يعني نصف قرن تمامًا، هو “عيد” الحرب في لبنان! وهل للحرب عيدًا؟ نعم، إنما كي تنذكر وما تنعاد، علمًا أن كل شيء عندنا يتحول على التراند اللبناني، والتراند هو الاحتفال بذكرى الحرب وما خرجنا بعد من حروبنا الكبيرة والصغيرة الا من كم شهر وليس أكثر ولم ننته كليًا بعد، إذ ما زلنا نرقص على الزجاج.
يا لطيف على الزمن اللبناني المحشو حشوًا بالأحداث الكبيرة التي غيّرت وجه الشرق الأوسط بأكمله منذ خمسين عامًا حتى اللحظة. عبر بنا الكثير الكثير وبقيت البوسطة العابرة في عين الرمانة، وحيدة مع الصدأ الذي يعلو جنباتها، يشبه تمامًا الصدأ الذي اجتاح الدولة اللبنانية على مدى خمسين عامًا وحوّلها الى دولة مهترئة في كل شيء.
من كان في عمر الخمسين في لبنان يحتفل ليس فقط بعيد ميلاده، بل بولادة وطن جديد. يحتفل بولادة مقاومة مسيحية ولدت قيصريًا ببوز المدفع، وانتظرت خمسين عامًا، خمسون عامًا لتحقق هدفها، ولم يتحقق الهدف الا بالدماء والشهادة والمعوقين والمخطوفين والمفقودين والدمار الهائل المتكرر ودولة منخورة حتى العظام بالفساد والنهب والانهيار الاقتصادي والاخلاقي والانساني في الاتجاهات كافة، بسبب تعاقب الاحتلالات والعملاء، فهل وقف الله فوق أرضه متفرجًا طيلة تلك الاعوام؟
“ظنوا أن الله لا يتدخل في التاريخ”، كل هذه المقدمة لنصل الى هنا، الى تلك العبارة تحديدًا التي يؤمن بها سمير جعجع ويرددها دائمًا. أصلًا كل هذه المقدمة لنحكي عن رجل تاريخي في السجل اللبناني، عاش خمسين عامًا من عمره في المتاريس العسكرية بداية، ثم تحت الأرض في الاعتقال لاحقًا، والآن متراس السياسة الأصعب على الاطلاق. طرّز سمير جعجع نضاله في لبنان بالإبرة والخيط الرفيع قطبة قطبة، بالحنكة المدهشة، بالصبر غير المسبوق، طرّز سياسة متناقضة تمامًا مع المفهوم السياسي العام الذي كان سائدًا، أي سياسة التلاعب وتجاوز الدستور والقوانين والتحالفات الشخصية والمصالح الخاصة وما شابه، أوجد سمير جعجع قطبة كانت مخفية عمدًا، وهي سياسة النظافة والوضوح والشفافية، التي كلّفته الكثير الكثير، أولها استشهاد المئات والمئات من الرفاق في مواجهات ضد الاحتلال السوري والإيراني وعملائه، ومن ثم الاعتقال والتغييب والتعذيب والاضطهاد، ومن بعدها محاولات استبعاده عن المسار الحكومي والنيابي… وفشلوا. كانت تمر السنين وهم يصغرون والقوات تكبر، صغروا على الرغم من ترساناتهم العسكرية الجبارة وتحكمهك بمفاصل السلطة كافة وبالدولة كلها، لانهم ما انتموا يومًا الى وطن الارز، وكبرت القوات وسمير جعجع لأنهم ساروا على خطى الأرز والأرض المقدسة، والأرض لوحدها تلفظ من يتنكّر لها.
لا أتصور لبنان من دون سمير جعجع، ولا أعرف ما يمكن إن كان سيحصل للبنان لولا “القوات اللبنانية” والحكيم. اؤمن تمامًا أن الله الذي يتدخل في التاريخ، وضع هذا الرجل في طريق لبنان ليكون للوطن رجاله الصالحين. لم يكن يومًا سمير جعجع بطلًا أسطوريًا خارقًا، ولا هو “زعيم” تقليدي يلقي الأوامر على متتبعيه، وعليهم أن ينفذوا ولا يعترضوا، ولا هو قائد لا يخطئ ولا يتعثر ولا يُهزم أيضًا، الله الذي يتدخل وبقوة في التاريخ، وضع في طريق لبنان إنسانًا صلبًا شجاعًا صادقًا مؤمنًا قبل أي شيء بهذه الأرض، ليواجه كل العثرات، ووضع في طريقه آلاف العثرات التي بدت لوهلات كثيرة مستحيلة، ولكن وفي كل عثرة يلملم سمير جعجع بعضه وينهض بقواته ومعهم من جديد، لأن أؤمن أن الله نفسه وضع بين يدي هذا الرجل تحديدًا، وزنة ثقيلة غالية غالية جدًا اسمها لبنان الحرية والسيادة والكرامة، والحكيم يعرف هذا تمامًا، ولذلك مشى على الدرب المرسوم له، وصنع بقوة ربه قدره وقدر القوات لأجل قدر لبنان الذي لا يمكن الا أن يكون مرسومًا على زيح الضو تماما وليس أقل.
“خلص خلص بدنا نخلص من كل هالتجاوزات، لبنان مش أرض معركة… كل شغلنا ت تصير الدولة فعلية منشان هيك المواجهة مستمرة”، قال في ما قاله في مقابلته الأخيرة المدوية مع مارسيل غانم، اتهموه بالعمالة، اتهموه أنه لا يريد رئيس جمهورية قوي ليبقى مسيطرًا، اتهموه واتهموه واتهموه… وارتدت الاتهامات كافة الى مطلقيها، لأن الأحداث الأخيرة أثبتت خصوصًا أنه مع رئيس الجمهورية حتى النهاية، لأن الرئيس مؤمن بلبنان قوي بدولة القانون بجمهورية من دون سلاح ميليشيات ويسعى لتنفيذ القرارات الدولية كافة، ولأجل هذا الرئيس وحكومته، اختار الحكيم نخبة الرجال لتكون في الحكومة وتعطي المثال الأفضل للعمل الوزاري كم هم نواب القوات أيضًا في البرلمان اللبناني.
لم يتعرض رجل في تاريخ لبنان لاتهامات التخوين كما تعرّض سمير جعجع، ولم يصمد رجل في تاريخ لبنان كما صمد المقاوم سمير جعجع، وبعد خمسين عامًا من النضال، أثبت التاريخ والأحداث أن الشجعان بقلوبهم وضمائرهم وحدهم يصمدون وينتصرون. قاوم الحكيم بكل ما امتلك من أسلحة وأكثر أسلحته “فتكًا” هي الشفافية والحكمة والصمود والشجاعة المطلقة، لذلك انتصر وانتصرت القوات، والدليل ما هو عليه نحن اليوم، أكبر الأحزاب وأشهرها شفافية ونظافة، وأكبر كتلة نيابية مرشحة لأن تتوسع أكثر بعد في الانتخابات النيابية المقبلة، والأهم بعد، أفضل قادة الأحزاب على الإطلاق لأنه لم يتصرف يومًا الا كرفيق لنا وكأب لجيل الصغار، وصديق للجميع، وكرجل دولة لا يهادن ولا يساوم ولا يحني رأس لبنان مهما كثرت منحوله التهديدات والمساومات، كسب الحكيم حكمة الرب الذي يتدخل في التاريخ تفصيلًا تفصيلًا، ولذلك لم أجد أفضل منه رفيقًا ورجلًا سياسيًا نكن له فائق الاحترام، لنكتب عنه في الذكرى الخمسين لاندلاع الحرب في لبنان. رجل حوّل صدأ البوسطة الى ذاك أخضر الكرامة نفلشه فوق مساحات النهايات التي كان غرزها الاحتلال، وها نحن في بدايات الوطن من جديد.
