المفاوضات الجارية في سلطنة عُمان بين الولايات المتحدة وإيران لن تكون مجرّد محاولة لإحياء اتفاق نووي سابق، بل ستكون محطة مفصلية تعيد رسم المشهد السياسي والأمني في المنطقة. نحن أمام مفاوضات تتخطى الأطر التقليدية، وتُدار وفق منطق القوة لا الأعراف الدبلوماسية؛ حيث التصعيد العسكري، والانهيار الاقتصادي، وتآكل شرعية المحاور القديمة تشكّل الخلفية الحقيقية لأي تسوية مرتقبة. وفي قلب هذا المشهد، تبرز مفوضات مسقط كمنصّة لإعادة تركيب التوازنات الإقليمية، وكساحة اختبار لتفاهمات تُبنى على معادلات جديدة أكثر صلابة وواقعية، ترتكز إلى موازين قوى متبدّلة تفرض إيقاعها على الجميع.
الولايات المتحدة: إعادة رسم قواعد الاشتباك الإقليمي
تخوض واشنطن، بقيادة إدارة الرئيس دونالد ترامب، هذه الجولة من المفاوضات بمنهج استراتيجي مختلف يتجاوز سياسة الاحتواء التقليدية، متبنّيةً مقاربة هجومية تهدف إلى تفكيك شامل لمنظومة التهديد الإيراني، سواء في بعدها النووي أو في امتداداتها الإقليمية.
ففي حين يُطرَح منع إيران من بلوغ العتبة النووية كهدف معلن، إلا أن الأجندة الأميركية الحقيقية تتجاوز هذا السقف، عبر السعي إلى وقف برنامج الصواريخ الباليستية، وتفكيك المشروع التوسّعي الإيراني، وتجفيف منابع الدعم للفصائل المسلحة التابعة لطهران، بما يعيد حصر دورها ضمن حدودها السيادية الطبيعية ويُعيد ضبط توازنات الإقليم على أسس أكثر استقرارًا.
هذه ليست إدارة تُراهن على تسوية رمادية أو اتفاق مرحلي يُعيد إنتاج الأزمة بصيغة مختلفة كما حصل مع إدارة الرئيس أوباما، بل إدارة تخوض هذا المسار بعقلية الحسم الاستراتيجي، واضعةً نهاية واضحة لمعادلة الهيمنة الإيرانية التي أثقلت كاهل المنطقة لعقود.
إيران: ممانعة من موقع ضعيف
في المقابل، تدخل طهران إلى طاولة المفاوضات مثقلة بكمّ هائل من الضغوط والأعباء المتراكمة، في لحظة تُعدّ من الأشدّ حساسية في تاريخ النظام. اقتصادها يترنّح على شفير الانهيار، وحلفاؤها يتساقطون تباعًا تحت وقع الضربات الإسرائيلية والأميركية، فيما يغلي الشارع الإيراني من الداخل تحت وطأة القمع والانهيار المعيشي، وسط اهتزاز متزايد في الغطاءين الروسي والصيني نتيجة تعقيدات المشهد الدولي وتشابك الملفات. ولعلّ الأهم، هو التهديد الأميركي المباشر الذي أطلقه الرئيس دونالد ترامب، بضربة عسكرية “مدمّرة” في حال واصلت طهران مراوغتها أو تصعيدها.
وفي موازاة هذه التحديات الخارجية، تواجه إيران انقسامًا داخليًا متفاقمًا بين التيار المحافظ الذي يميل إلى التصعيد ويعتبر تقديم التنازلات ضربًا من الضعف الاستراتيجي، والتيار الإصلاحي الذي يرى في التسوية فرصة لتجنّب الانهيار الكامل وإعادة إدماج إيران في النظام الدولي. هذا الانقسام لا يُضعف فقط موقع القرار الإيراني، بل يُشتّت المقاربة التفاوضية ويخلق ارتباكًا في الخطاب الموجّه إلى الخارج، حيث يسعى كل طرف إلى توظيف المفاوضات في سياق حساباته الداخلية، ما ينعكس مباشرة على هشاشة الموقف الإيراني وتقلّص قدرته على المناورة في لحظة تفاوضية دقيقة.
وللتخفيف من وطأة هذا العبء، بدأت طهران قبيل انطلاق المفاوضات بإرسال إشارات حسن نية متعدّدة الاتجاهات: من تصريح لمسؤول إيراني ينفي دعم بلاده لجماعة الحوثي، إلى مواقف علنية من قيادات في الحشد الشعبي تُعلن الاستعداد لنزع السلاح، وصولًا إلى موقف نُقل عن مسؤول في “الحزب” يعبّر عن استعداد “الحزب” لتسليم السلاح. هذه التصريحات، وإن بدت متفرقة، إلا أنها تأتي ضمن سياق مدروس يهدف إلى خلق انطباع عن مرونة شكلية، تمنح طهران بعض الهامش في لحظة تفاوض حرجة، من دون أن تعكس تغييرًا حقيقيًا في البنية الاستراتيجية لمشروعها الإقليمي.
وعلى الرغم من هذا الواقع المأزوم، تواصل إيران التعويل على عامل الوقت، مدفوعة برهانها التقليدي على إطالة أمد التفاوض واستثمار الهواجس الغربية لانتزاع تخفيف في العقوبات من دون تقديم تنازلات فعلية. غير أن المعادلة تغيّرت، والمرحلة الراهنة لم تعد تسمح بمساحات المناورة السابقة. فالمماطلة فقدت فعاليتها، والازدواجية بين خطاب التهدئة وسلوك التصعيد لم تعد تجد صدى أو تسامحًا لدى واشنطن. والموقف الأميركي بات واضحًا وصلبًا: لا رفع للعقوبات، ولا تسوية مرحلية، من دون تفكيك شامل وفعلي للبنية التهديدية الإيرانية، على جميع المستويات، وتحت طائلة خيار عسكري مطروح بجدّية غير مسبوقة.
أذرع إيران: من أوراق ضغط إلى أوراق تفاوض
اللافت في هذه الجولة من المفاوضات أن البعد الإقليمي لم يعد مجرّد هامش يُترك للتفاهمات الجانبية، بل أصبح في صلب النقاش وواحدًا من أهم محددات التسوية. فالأذرع العسكرية المرتبطة بإيران، من “الحزب” في لبنان، إلى الحشد الشعبي في العراق، وصولًا إلى جماعة الحوثي في اليمن، لم تعد أدوات ضغط ميدانية تُستخدم عند الحاجة، بل تحوّلت إلى عبء تفاوضي مباشر تتحمّل طهران مسؤوليته أمام المجتمع الدولي.
في لبنان، يواجه “الحزب” ضغوطًا متصاعدة من الداخل والخارج، وسط ضربات إسرائيلية متكرّرة تُقابل بصمت ميداني، ونقاش دولي جدّي حول آلية تفكيك سلاحه ضمن جدول زمني واضح. وعلى الرغم من تردد الدولة اللبنانية وتقاعسها المزمن في التعامل مع هذا الملف، إلا أنها بدأت، تحت وطأة الضغوط الخارجية، تتحرك بوتيرة متسارعة نحو مقاربة أكثر واقعية، تسعى من خلالها إلى استعادة زمام المبادرة السيادية.
أما في العراق، فتشهد فصائل الحشد الشعبي تحوّلات لافتة، من تعليق بعض العمليات إلى التلويح بنزع السلاح، في رسائل تُقرأ كسلوك تفاوضي موجه من طهران إلى واشنطن، هدفه كسب نقاط تفاوضية وتقليص حجم المطالب المطروحة من دون الدخول في مواجهات مفتوحة.
وفي اليمن، جاءت الضربات الأميركية المستمرة على مواقع استراتيجية تابعة للحوثيين كرسالة واضحة مفادها أن واشنطن لن تتسامح مع استمرار استخدام الأراضي العربية كمنصّات لتهديد الأمن الإقليمي والملاحة الدولية، خصوصًا في ظل التوترات المتصاعدة في البحر الأحمر.
بهذا التحوّل، لم تعد طهران قادرة على فصل ملفاتها أو التحايل على تشعّبات نفوذها. فكل ذراع بات يفرض عليها أثمانًا سياسية وأمنية مباشرة، وكل تصريح يُقرأ ضمن سياق تفاوضي دقيق لا ينفصل عن جوهر المعادلة، ولا يمكن التخلص من الأعباء دون كلفة صريحة وتنازل محسوب.
دول الخليج: فرصة تاريخية لتحجيم الخصم
في الخليج، تدرك الدول المحورية، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، أن لحظة الضعف التي تمرّ بها إيران تمثل فرصة استراتيجية نادرة لإعادة رسم ميزان القوى الإقليمي بما يحدّ من نفوذ طهران ويعيد تثبيت معادلات الأمن على أسس جديدة. وعلى الرغم من حرص هذه الدول على تجنب المواجهة المباشرة أو أي أعمال عدائية، حفاظًا على استقرارها الداخلي، إلا أنها تُحسن استثمار اللحظة السياسية لتعزيز موقعها الاستراتيجي.
ففي ظل التحوّلات الجارية في الملف اليمني، وتسارع الاتفاقات الأمنية مع القوى الغربية، والانفتاح المتزايد على التعاون الاستخباراتي مع إسرائيل، يتبلور نهج إقليمي يهدف إلى محاصرة المشروع الإيراني ونزع أدواته التخريبية من المنطقة بشكل نهائي. وهو تموضع لا يُقرأ كموقف ظرفي، بل كمقاربة استراتيجية تسعى إلى إنهاء مرحلة التهديدات المفتوحة وفرض توازن ردع دائم.
إسرائيل: العصا الميدانية للمفاوض الأميركي
على الرغم من غيابها الرسمي عن طاولة المفاوضات في مسقط، تلعب إسرائيل دورًا محوريًا في توجيه مسار هذه الجولة، مستفيدة من لحظة دولية حسّاسة لإعادة ترسيخ موقعها كقوة إقليمية فاعلة. فمن خلال حربها الأخيرة على لبنان، وضرباتها الدقيقة والمتواصلة التي تستهدف البنية العسكرية للأذرع الإيرانية في كل من سوريا ولبنان، والحملة المستمرة على غزة ضد حماس، والتنسيق الوثيق مع واشنطن، تُثبت تل أبيب أنها ليست مجرّد مراقب، بل شريك فعلي في رسم سقف التسوية وشروطها.
الرسالة واضحة: إسرائيل لن تنتظر نتائج مسقط، بل ستواصل فرض الوقائع على الأرض لدفع المفاوضات نحو نتائج تخدم أمنها الاستراتيجي وتُكرّس دورها الإقليمي. فهي لا تسعى فقط إلى تقليص نفوذ إيران في محاور تمدّدها، بل تطمح إلى تكريس موقعها كقوة إقليمية موازية أو متقدمة، تُشارك فعليًا في إعادة رسم خرائط التأثير لما بعد التسويات.
بهذا المعنى، تُشكّل مسقط فرصة استراتيجية لإسرائيل، لا لإضعاف إيران فحسب، بل لملء الفراغ المحتمل الناتج عن تراجعها في مناطق التنافس غير المُعلَن بين الطرفين.
الفوضى كاستراتيجية: ترامب ونظرية الردع العدمي
إذا كان بعض الرؤساء يدخلون المفاوضات بعقلٍ بارد ومنهجية مدروسة، فإن دونالد ترامب يخوضها بمنطق “الفوضى الساخنة”، حيث تُقرأ تحركاته ضمن نمط يُمكن وصفه بـ”الردع العدمي” ـ Deterrence through Chaos. في هذا النمط، لا يُمنح الخصم رفاهية توقّع الخطوة التالية، لا من حيث التوقيت ولا من حيث طبيعة الرد، ما يضعه في مواجهة مفتوحة مع الاحتمال الأكثر فوضوية.
ترامب لا يكتفي بالتلويح بالقوة، بل يُغلف العملية التفاوضية بهالة من الغموض الاستراتيجي، حيث تتداخل الإشارات العسكرية مع الرسائل السياسية، في مشهد يُبقي الطرف المقابل في حالة ارتباك دائم. فهل سيتراجع فجأة؟ هل يوجّه ضربة استباقية؟ هل ينسحب من المفاوضات ليعود بشروط أكثر صرامة؟ هذه التساؤلات لا تعكس ضعفًا في الرؤية الأميركية، بل جزءًا من تكتيك مدروس يهدف إلى شل قدرة الخصم على الاستباق.
وهذا تحديدًا ما تواجهه إيران اليوم. فالمواجهة ليست مع إدارة أميركية تقليدية، بل مع رئيس يُبقي خيار القوة العسكرية مطروحًا، لا كأداة تفاوضية فحسب، بل كمدخل محتمل لإعادة تشكيل المسار السياسي من موقع الحسم. وهذا النمط من الردع لا يزرع الخوف فحسب، بل يُنتج رهبة سياسية تُسقط إمكانيات التوقع، وتعطّل أدوات التحليل التقليدي، وتترك الخصم معلّقًا في مساحة رمادية بين الانفجار والفراغ.
وفي هذا السياق، يُطرح سؤال جوهري: هل يمكن تكرار اتفاق 2015؟
الجواب بات محسومًا: لا. فإيران اليوم أضعف سياسيًا، عسكرياً واقتصاديًا، بينما تبدو الولايات المتحدة أكثر تصميمًا على فرض شروط واضحة لا تحتمل التأويل، في وقتٍ لم تعد فيه المنطقة مستعدة لأي تسويات رمادية، ولا قادرة على تحمل نتائجها. أما الخطوط الحمراء التي كانت في السابق عرضة للتجاوز، فقد باتت أكثر وضوحًا وتشددًا.
اتفاق 2015 استند إلى وهم “التجميد مقابل الانفتاح”، حيث جرى الرهان على أن احتواء النووي الإيراني سيؤدي إلى تطبيع سلوك طهران. لكن التجربة أثبتت العكس، إذ استغلت إيران التجميد لتعزيز مشروعها الإقليمي. اليوم، المقاربة الأميركية مختلفة جوهريًا: “تفكيك شامل مقابل إعادة دمج مشروط في النظام الدولي”، ضمن قواعد صارمة تضمن الأمن الإقليمي والاستقرار العالمي.
الزمن لا يعمل لصالح طهران. والمجتمع الدولي، الذي أدرك كلفة التغاضي، لم يعد مستعدًا لقبول أنصاف الحلول، ولا ترك الملف الإيراني في حالة رمادية. إما تسوية تُنتج استقرارًا دائمًا، أو مواجهة مفتوحة لا يمكن التنبؤ بتداعياتها.
استنتاج: من سيحسم المعركة؟
تشير المعطيات إلى أن كفّة التوازن تميل بوضوح لصالح المعسكر الأميركي ـ الإقليمي، طالما حافظت واشنطن على دينامية الحراك وواصلت فرض شروطها تحت مظلة ردع عسكري فعّال.
في المقابل، تبدو إيران محاصرة سياسيًا وميدانيًا، مثقلة بالعزلة، وتدرك أن قواعد الاشتباك تغيّرت، وأن الرد هذه المرة قد يتجاوز كلّ الخطوط التقليدية. أما إن اختارت الهروب إلى الأمام أو تفجير التوازن الإقليمي، فإن ارتداد الفوضى سيصيب بنية النظام نفسه، ويهدد استمراريته في الداخل قبل الخارج.
مسقط لم تعد محطة نقاش، بل طاولة تُرسم عليها ملامح نهاية مرحلة. والسؤال لم يعد إن كانت طهران ستتراجع، بل كم ستتنازل، وكم ستدفع.