.jpg)
كتب أسعد رشدان على صفحته.
خلال بحثي الطويل في التاريخ المسيحي اللبناني… لفتتني بعض الشخصيات التاريخية القيادية المسيحية، بعضها معروف ومعظمها مجهول… والتي شاء القدر أن تكون في محطات مفصلية ومصيرية في تاريخ لبنان …
من هؤلاء الرجال؟ …
المقدم بنيامين، قائد معركة المثلّث …
المقدم الياس، قائد معارك البقاع الأوسط في عهد الأمويين …
الأمير يوحنا… البطريرك لوقا البنهراني… البطريرك موسى العكاري… بشير الجميل …وغيرهم الكثير من القادة المجهولين..
ما جمع بين كل هؤلاء الرجال، قدر واحد… أن يكونوا وحيدين في قلب معركة مصيرية على درب جلجلة هذا الشعب المسيحي في هذه النقطة من العالم.
في هذه المحطة المفصلية من تاريخ لبنان أذكر سمير جعجع.
قدر هذا الرجل أن يترك جامعته واختصاصه وهو ما زال شاباً، ليحمل البندقية ويدافع عن شعبه مثل الكثير من الشباب، عندما وجدوا وطنهم ينهار، وجيشهم يتفكك، ومصير شعبهم إلى المجهول.
لم يكن لديهم ترف التنظير والتحليل والتعمّق بالتاريخ المسيحي الذي قصّرت الكنيسة في المحافظة عليه. لقد كانت حرب وجود… وفي حروب الوجود لا مكان للتفكير… فقط، الصراع للبقاء.
قدر سمير جعجع الثاني كان مجزرة إهدن. تلقى الأوامر بصفته قائد مجموعة صغيرة باعتقال قتلة المسؤولين الكتائبيين في إهدن. وكانت مجموعته الصغيرة من ضمن المئات من المقاتلين من كل المناطق. كان ذلك فجر الثلاثاء 13 حزيران 1978. كان يتحضر لامتحانات كلية الطب، فتلقى الأوامر للمشاركة في المعركة. أُصيب قبل المجزرة لأنه اعتاد أن يكون في مقدمة رجاله ونُقل إلى بيروت… وبعد ذلك حصلت الكارثة.
قدره الثالث كان عندما اغتيل القائد بشير الجميل. تضعضعت القوات وغادرها الكثير من المقاتلين ومن المجنّدين… فلم يبقَ إلى جانب بعض الوحدات المركزية غير سمير جعجع ومقاتليه على جبهة الشمال.
فطلبت منه القيادة التوجّه إلى الشوف بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي. فلبّى النداء، لكنه حوصر هناك من دون إمدادات ولا غطاء. وكان بمفرده بمواجهة الفلسطينيين والاشتراكيين والسوريين والقوات المشتركة… وقد سُئل وليد جنبلاط في إحدى المقابلات على محطة الجزيرة: ومن كان بمواجهتكم أنتم وحلفاءكم في حرب الجبل؟ أجاب جنبلاط: “سمير جعجع… فقط سمير جعجع”.
قدر سمير جعجع الرابع كان ميشال عون… أراد ميشال عون إلغاء الميليشيات، وكانت الميليشيات بالنسبة إليه تُختصر بالقوات. عمل سمير جعجع المستحيل لتفادي المواجهة. لكن الكارثة حصلت وانهارت المنطقة الحرة الوحيدة من لبنان في كارثة استراتيجية لا نزال نعاني من تداعياتها حتى الآن. وكان عون هو البادئ، كما صرّح بوضوح شامل روكز في مقابلته التلفزيونية الأخيرة: “لقد صدرت إلينا الأوامر باحتلال الصندوق الوطني للقوات والمجلس الحربي وقيادة القوات”.
قدر سمير جعجع الخامس هو مواجهته وحيدًا الاحتلال السوري المباشر للبنان من خلال نظام الوصاية، و11 سنة من الاعتقال، لأنه لم يتعوّد الهروب من المعركة والتخلّي عن رجاله.
قدر سمير جعجع السادس، هو خروجه من الاعتقال وإعادة بناء القوات، وسط بحر من الألغام والمخاطر محاولاً التعايش مع الإرهاب والانقسام المسيحي، إلى حين بلوغ القوات الحد الأدنى الذي يمكّنها من استعادة دورها الميداني المؤثّر.
فالمعركة هي التحضير للمعركة… وتوقيتها لا يكون للخصم.
قدر سمير جعجع السابع الآن، هو أنه قد كُتب له أن يعايش أيامًا مصيرية وجودية في تاريخ لبنان… محاصرًا بمسيحيين عن يمينه، يتهمونه بالتخاذل ومهادنة الإرهاب…. وبمسيحيين عن يساره، متحالفين مع قوى ما يُسمّى بمحور الممانعة… على رغم ادعاء بعضهم التمايز أو الانفصال.
لكن القدر هو القدر… وقد كُتب له أن يواجه وحيداً …
لا أعرف القرارات التي قد يتخذها في المرحلة القادمة… لكن ما أعرفه جيدًا، أنه القائد المسيحي الوحيد، الذي يعرف بالعمق مسيرة يوحنا مارون… التي تجهلها الغالبية الساحقة من الموارنة ومن المسيحيين…
منقول بتصرّف لدواعي اللغة
كتبت “المسيرة” ـ العدد 1763
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com
