#dfp #adsense

خاص – “فكر حر”: بداية الاصلاح من السلاح

حجم الخط

 الاصلاح

يقول الأديب البريطاني جوناثان سويفت “القوانين مثل خيوط العنكبوت، تُمسِك بالذباب الصغير، بينما تسمح للدبابير باختراقها”، ولعلّ هذا القول ينطبق جزئياً على واقعنا اللبناني منذ عشرات السنوات حتى اليوم، لا بل في لبنان تمزّق الدبابير الكبيرة خيوط العنكبوت فيتسرّب بدوره الذباب الصغير من هذه الفجوات.  مناسبة هذا الكلام هو الحديث عن الاصلاح ومكافحة الفساد عندما يتعلق الأمر بموظفٍ فاسد من هنا وسمسار من هناك او عن صفقة مشبوهة من هنالك، وتحوّل هذا الحديث الى همس وتمتمة عندما يتعلق الأمر بمكافحة السلاح غير الشرعي الذي هو السبب الأول والأساسي للفساد الواقع داخل بعض ادارات الدولة من جهة، وعلى مستوى الدولة ككل من جهةٍ ثانية.
حتى أن أكثر الذين رفعوا شعارات الإصلاح والتغيير ومكافحة الفساد في التاريخ المعاصر كانوا في الواقع يؤمنون غطاءاً شعبياً او رسمياً للسلاح غير الشرعي، فكانت شعاراتهم في وادٍ ونتيجة افعالهم في وادٍ آخر.
منظومة الفساد القائمة في لبنان اقلّه منذ الطائف وحتى اليوم هي وليدة السلاح غير الشرعي الذي غذّى هذه المنظومة بكل الوسائل حتى تؤمن له الشرعية والمشروعية لاستمراره وبقائه، فمكافحة الفساد على مستوى بعض ادارات الدولة وعلى مستوى بعض المسؤولين والموظفين هو اسهل امر ممكن لأي سلطةٍ سياسية او قضائية ان تقوم به في ظلّ القوانين المرعية الاجراء التي تتناول هذه المسألة، وفي ظل المؤسسات الرقابية وآليات المحاسبة العديدة الفاعلة على مستوى الدولة اللبنانية، غير ان التحدّي الأكبر يكمن في وجود قوة قاهرة مُتمثّلة بالسلاح غير الشرعي التي تمنع هذا المسار وتُعيق هذه الآليات وتُهدد العدالة، واكبر دليل على ذلك قضية انفجار المرفأ التي تُشكّل رأس جبل الجليد في هذا الإطار.
التخلص من القوة القاهرة التي تُعيق مكافحة الفساد وتمنع قيام الدولة القوية في لبنان يُحقق تلقائياً الإصلاح المنشود ويفرض القواعد الصارمة للمحاسبة من دون ان يُصار الى مراقبة كل موظّف او زرع مخبر امام مكتب كل مسؤول، فبشير الجميّل لم يضطر لملاحقة كل سمسار او كل مُعقّب معاملات، ولم يحاسب كل مرتشٍ او يضبط كل صفقة مشبوهة او كل معبر غير شرعي، ولم يُعلّق المشانق على الطرقات لقمع الفاسدين، بل ان معظم الفساد المُستشري حينها توقّف بديهياً حتى قبل ان يتسلم صلاحياته الدستورية، لأن القواعد والأسس والمبادىء الأساسية لقيام دولةٍ قوية، وفي مقدمّها حصرية السلاح في يد القوى الشرعية، كانت قد سبقته الى قصر بعبدا، فتلاشت معها منظومة الفساد تلقائياً ودخلت الدولة اللبنانية القوية في عصرٍ ذهبي لم يدم سوى 20 يوما قبل ان تعود عقارب الساعة دفعةً واحدة الى الوراء.
لذلك، فالمطلوب بدايةً التصدي للدبابير الكبيرة التي تمزّق خيوط القانون وتسمح للذباب الصغير بالتسرّب منها، وليس فقط القبض على الذباب الصغير والترقيع وراء الدبابير الكبيرة، وإلاّ فلا إصلاح ولا دولة ولا قانون لمن تنادي.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل