.jpg)
تتأرجح الدولة اللبنانية اليوم بين محاولات إعادة الإمساك بمؤسساتها، والواقع المفروض بقوة المعادلات الإقليمية. برز في الأيام الأخيرة طرح بالغ الحساسية حمله رئيس الجمهورية، ومفاده: إمكانية استيعاب عناصر “الحزب” داخل الجيش اللبناني، في إطار مقاربة وطنية متدرجة للملف الأكثر إشكالية في البنية اللبنانية المعاصرة.
يأتي هذا الطرح في لحظة سياسية دقيقة تتقاطع فيها التحولات الداخلية مع إشارات خارجية واضحة إلى اقتراب مرحلة مفصلية في مسار الأزمة اللبنانية. مرحلة قد تحمل في طياتها معالم حرب أخرى أو تسوية كبرى، سواء فرضتها الوقائع الإقليمية أو رعتها القوى الدولية المعنية ببقاء لبنان تحت سقف الاستقرار النسبي. ومن هذا المنطلق، يمكن فهم اقتراح الرئيس بصفته طرحًا استباقيًا يهدف إلى تثبيت موقع الرئاسة كمرجعية دستورية في إدارة الملف الأمني، وكصوت وطني لا يتهرّب من مسؤولياته في مقاربة المسائل السيادية الكبرى.
في الوقت عينه، لا يُمكن فصل الطرح عن بُعده الدبلوماسي. فالرئيس يدرك تمامًا أن استمرارية الدعم الدولي للجيش اللبناني، وخصوصًا من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ترتبط عضويًا بمسألة حصرية السلاح بيد الدولة. ومن هنا، يشكّل هذا الاقتراح بمضمونه السياسي رسالة مزدوجة: إلى الداخل بأن الدولة لا تزال تحاول الإمساك بالمبادرة، وإلى الخارج بأن رأس الدولة لا يغضّ النظر عن فائض القوة خارج الشرعية، بل يطرح له مقاربة “مؤسساتية” تحت سقف الجمهورية.
لكن الواقعية السياسية تفرض التوقف أمام الأساس البنيوي لهذا الطرح. فالتجارب السابقة في مرحلة ما بعد الحرب الأهلية، حين تم استيعاب مقاتلين من قوى سياسية ضمن صفوف الجيش، كانت قائمة على ثلاثة شروط أساسية: تسليم السلاح بالكامل، الالتزام الصريح بنهائية الكيان اللبناني، والانصهار التام في منطق الدولة الواحدة والمؤسسات الواحدة. وهذا ما لا ينطبق على حزب الله اليوم، الذي لا يزال يحتفظ بسلاحه، ويُجاهر بانتمائه العقائدي العابر للحدود، المرتبط عضويًا بمرجعية “ولاية الفقيه”، ما يجعله خارج إطار المفهوم التقليدي للمواطنة والسيادة.
الاختلاف هنا ليس تقنيًا، بل وجودي. فالمسألة لا تتعلق بإمكانية دمج أفراد ضمن مؤسسة، بل بمدى قابلية البنية العقائدية للحزب لأن تنصهر في دولة يعتبرها – بحسب أدبياته – إطارًا ظرفيًا لا مرجعية نهائية. كيف يمكن لمن شبّ على عقيدة الولاء للإمام والمرشد أن يتحوّل، في لحظة سياسية، إلى جندي ملتزم بالدستور اللبناني وحده؟ وهل يمكن الحديث عن مساواة داخل المؤسسة العسكرية في ظل سلاح خارجي موازٍ، وخطاب سياسي يستبطن ثنائية الولاء والقرار؟
يُضاف إلى ذلك ما لا يمكن إغفاله في التوازنات اللبنانية الدقيقة، وهو الحفاظ على البنية الوطنية الجامعة للمؤسسة العسكرية. فالجيش اللبناني هو اليوم الصرح الوحيد الذي لا يزال يحتفظ بشبه إجماع وطني حوله، وأي اختلال في تركيبته العقائدية أو الطائفية قد يؤدي إلى تصدّعات بنيوية عميقة، ويفتح الباب أمام اهتزازات لا يمكن ضبطها.
من هنا، فإن معالجة ملف السلاح لا تبدأ من نهايات إجرائية أو إدارية، بل من لحظة سياسية حاسمة عنوانها: نزع السلاح كلياً، والتخلي الكامل عن الارتباط العقائدي بالخارج، والاعتراف بنهائية الدولة اللبنانية كوطن نهائي لجميع أبنائه. عندها فقط، يمكن الحديث عن إدماج مواطنين في مؤسسات الدولة، وفق معايير الانضباط، والكفاءة، والولاء الحصري للجمهورية.
النية التي حملها طرح رئيس الجمهورية مفهومة، بل مشروعة في منطلقها السياسي، لكنها تصطدم بعوائق واقعية تتجاوز حسن النوايا، إلى عمق التناقض بين مشروع الدولة ومشروع الميليشيا. فبين من يسعى لترميم الشرعية، ومن يرفض أصلًا الخضوع لها، مساحة رمادية واسعة لا تُعالج بالاندماج، بل بالحسم في الخيار الوطني.
لا يحتاج لبنان إلى حلول تجميلية أو تسويات هشّة، بل إلى قرار تاريخي يعيد الاعتبار لمنطق الدولة الواحدة، والمؤسسة الواحدة، والسلاح الواحد، والولاء الواحد. وما لم يُفتح هذا المسار، ستبقى كل طروحات الاستيعاب مجرّد محاولات لتدوير الزوايا، لا لبناء الجمهورية.